Uncategorized
أعلي المنصة ياسر الفادني نجدة غريق…. ومنار بِرَجِّع التايهين !!

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
نجدة غريق…. ومنار بِرَجِّع التايهين !!
فضل الله محمد في (عابر طريق) لا يكتب أغنية، بل يفتح نافذة على الروح السودانية وهي تمشي حافية بين الشعر والغناء، هو من أولئك القلائل الذين لا يطاردون القافية، بل يجعلونها تأتيهم طائعة، لينة، كأنها تعرف طريقها مسبقاً، لغته هنا ليست متعالية ولا متكلفة، هي لغة ترى وتلمس وتشتم وتسمع، ثم تتحول بسلاسة إلى صورة شعرية مشبعة بالدهشة ، (عابر طريق فايت نام في العيون) جملة تقول كل شيء من أول خطوة: العبور ليس عابراً، والنوم في العيون ليس راحة بل إقامة كاملة في الوجدان
لونية فضل الله محمد في الشعر هي هذا المزج النادر بين البساطة العميقة والبلاغة غير المتباهية، لا يستعرض ثقافته، ولا يصرخ بحكمته، لكنه ينسج عالماً كاملاً من مفردات مألوفة تلمع فجأة كأننا نسمعها لأول مرة. (الأسود النشوان زورق من الألحان) صورة تنتمي لخيال شاعر يعرف الموسيقى بقدر ما يعرف اللغة، ويعرف أن الأغنية ليست كلمات فقط، بل إيقاع داخلي يمشي تحت السطر، وهو حين يقول (مكتوبة فوق سطحه قصة حياة إنسان أملاكه في العالم ريشة وضمير وكمان) ! ، فإنه يلخص فلسفة كاملة عن الفنان، عن الشاعر، وربما عن نفسه، بلا خطابة ولا ادعاء
النص يتحرك بحرية مذهلة بين مستويات متعددة: غزل، تصوف، حكاية شعبية، وحتى ومضات من الدوبيت والذاكرة الإفريقية، هذه القفزات لا تشعر معها بالتشتت، بل بالثراء. (رسالة من الروح أنشودة صوفية حكاية للأطفال أو رقصة زنجيّة)! ليست مجرد تعداد، بل إعلان عن هوية الأغنية نفسها: متعددة، مفتوحة، لا تحب أن تُحاصر في قالب واحد، وهذا بالضبط ما يميز بصمة فضل الله محمد؛ شاعر يعرف أن السودان ليس صوتاً واحداً، بل أصوات تتجاور وتتحاور داخل النص
أما لحن محمد الأمين، فهو ترجمة موسيقية ذكية لهذا الاتساع. اللحن لا يضغط على الكلمات ولا يسبقها، بل يمشي معها كتفاً بكتف، فيه نعومة الموج، وفيه صبر الرحلة الطويلة، الجملة اللحنية تتنفس، تترك مساحات للصوت، وتعرف متى تصعد ومتى تهدأ
موسيقياً، محمد الأمين هنا وفيّ لمدرسته: لحن مشغول بعناية، لا يعتمد على الإبهار السريع، بل على البناء التدريجي الذي يجعل المستمع يكتشف جماله مع كل إعادة
صوت محمد الأمين هو العنصر الذي أكمل الدائرة، صوته لم يكن مجرد أداة أداء، بل وسيط إحساس، فيه حنان واضح، وفيه وقار، وفيه تلك المسحة التأملية التي جعلت عابر طريق أقرب إلى اعتراف داخلي منه إلى أغنية عابرة حين يغني (تايه أنا وحيران رجّعني للعينين)، لا تشعر بأنه يمثل دور التائه، بل كأنه يبوح باسمه واسمك معاً، صوته أعطى الكلمات زمنها الحقيقي، ومنح الصور الشعرية فرصة أن تستقر في القلب لا في الأذن فقط
إني من منصتي انصت….حيث أقول: أن (عابر طريق) ليست من الأغنيات التي تُستهلك بسرعة، هي عمل يُسمع كل مرة بشكل مختلف، لأن نص فضل الله محمد مفتوح على التأويل، ولحن محمد الأمين رحب، وصوته صادق، إنها أغنية تشبه الزورق الذي تحدث عنه النص: سابح بلا ربان، لكنه يعرف وجهته… إلى وجدان من يسمع.
Service Unavailable
The server is temporarily unable to service your request due to maintenance downtime or capacity problems. Please try again later.
Additionally, a 503 Service Unavailable error was encountered while trying to use an ErrorDocument to handle the request.