Uncategorized
“حين تصبح حروبنا وقودًا لأحلام الصهيونية” بقلم: د/ خالد بن عبد الرحيم الزدجالي

“حين تصبح حروبنا وقودًا لأحلام الصهيونية”
بقلم: د/ خالد بن
عبد الرحيم الزدجالي
في زمن الصراعات، يعلو صوت السلاح ويخفت صوت العقل، لتصبح الدماء لغة التفاهم الوحيدة، بينما العدو الصهيوني يراقب من بعيد، يخطط ببرود، ويرسم خرائط جديدة فوق جراح الأمة. وبينما ينشغل العرب والمسلمون بصراعات داخلية، يواصل الكيان الصهيوني بناء مستوطناته، ويستكمل تهويد القدس، ويخطط لضمان هيمنته على المنطقة لعقود قادمة.
في سوريا، لم تجلب الحرب سوى التهجير والدمار، وتحولت ساحاتها إلى صراع دولي، وتآكلت مقدرات الدولة في نزاعات لا رابح فيها سوى من يبيع السلاح ويخطط للتقسيم. في العراق، بلد الحضارات، أدت الحروب إلى الطائفية ونهب الثروات، ليصبح شعبه عالقًا بين الفقر والفساد. وفي ليبيا، لم تجنِ الحروب إلا الفوضى وتقاسم النفوذ، لتتحول حقول النفط إلى غنائم تُباع بأثمان بخسة. وفي اليمن، تستمر المجاعة والحصار، بينما يربح تجار السلاح والعدو المتربص. أما لبنان، فانقساماته الداخلية أضحت منصة للصراعات الإقليمية، لا رابح فيها سوى العدو الذي يرى في الفوضى فرصة ذهبية.
حتى دول الخليج، رغم نعمة الأمن، تعيش قلقًا من نار قد تلتهم الأخضر واليابس إن استمرت الخلافات والمناكفات. وعُمان، التي ذاقت مرارة الحروب في الماضي، تعرف جيدًا أن أي شرارة في الخليج لن تُبقي أحدًا بمأمن، وأن الوحدة والتهدئة مقدمة ضرورية لحماية الجميع من ألسنة النار.
في هذا المشهد الملتبس، يبرز صوت الإعلامي العُماني علي بن مسعود المعشني، الذي طالما حذر من خطورة الحروب في المنطقة، مؤكدًا أن أي حرب على دولة مسلمة، مهما اختلفنا معها، ستطال الجميع في النهاية، وأن الصهيونية لا تريد للأمة إلا مزيدًا من الانقسام والصراعات. لم تكن تحذيرات علي بن مسعود المعشني تنظيرًا من برج عاجي، بل نابعة من خبرة رجل عاش زمن الرصاص والخوف، منذ نهاية حرب ظفار التي غذّتها أيادٍ خارجية قبل أن يطفئ السلطان قابوس نيرانها مطلع السبعينات، ليمنح عُمان سلامها واستقرارها.
لكن اللافت، أنه مع كل تحذير صادق يقدمه، لا تسلم مواقف علي بن مسعود المعشني من حملات التشويه والتشكيك، أحيانًا من بعض الأشقاء في الخليج الذين يضيق صدرهم بالنقد، ظنًا أن النصيحة تمس سياساتهم أو تُفسر كمعارضة غير مباشرة، بينما هي في حقيقتها دعوة صادقة لإطفاء الحرائق قبل اشتعالها، وللحفاظ على وحدة الخليج وصون استقراره، لأن أي نار ستشتعل هنا، ستطال الجميع دون استثناء.
تحليلات علي بن مسعود المعشني لأزمات العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان، وإن اختلف معها البعض، تركز على فكرة أساسية: أن الحروب الطائفية وتفتيت الدول ليست أقدارًا محتومة، بل مشاريع ممنهجة تُدار بصبر ودهاء من أعداء الأمة، ليبقى الرابح الوحيد هو العدو الصهيوني ومن يدعمه، بينما تزداد الأمة تمزقًا وضعفًا.
ومع تسارع التكنولوجيا وفتح أبواب البيانات على مصاريعها، أصبحت تحركات الشعوب مرصودة، وصار إشعال الفتن أسهل من أي وقت مضى عبر أدوات إعلامية ومنصات ظاهرها مدني، لكنها تُدار في الخفاء لبث الفرقة وتحقيق الأجندات الخفية. وفي زوايا المشهد، تتحرك الأموال، وتُدار الحملات الإعلامية، وتُستخدم الجاليات التجارية أحيانًا كأدوات نفوذ لجمع المعلومات وتغذية التقارير وزرع الانقسامات بهدوء.
علينا أن ندرك قبل فوات الأوان: الحروب الداخلية خدمة مجانية لأعدائنا، والأمة التي تقصف نفسها لن تستطيع حماية القدس ولا تحرير فلسطين. وحدتنا هي السلاح الحقيقي الذي تخشاه الصهيونية أكثر من أي صواريخ نوجهها إلى صدور بعضنا البعض. الأقصى لن يُحمى بأمة ممزقة، وفلسطين لن تتحرر بأمة غارقة في الدماء.
“الحروب ليست بطولة.. ولن نكون وقودًا لأحلام الصهيونية”. هذه هي الرسالة التي يكررها علي بن مسعود المعشني، وهي الرسالة التي يجب أن نسمعها اليوم، قبل أن تبتلعنا نيران صراعات لا تخدم إلا أعداءنا، وتبني مجدهم على حساب دمائنا ودموعنا.