رأي
من أعلى المنصة ياسر الفادني هنا تلوثت الفِطرة

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
هنا تلوثت الفِطرة !
في زمن الجاهلية، حيث لا مواثيق دولية ولا شعارات إنسانية ولا مؤسسات حقوقية، وقف زهير بن أبي أُمية، شامخًا، يجلجل صوته في أرجاء مكة:
يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع ولا يُبتاع منهم؟! والله لا أقعد حتى تُشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة…
فمزقت الصحيفة، وفُكّ الحصار، وانتصر الضمير على العصبية
اليوم… في عصر العناوين البراقة والشرعية الدولية وحقوق الإنسان، تُحاصر الفاشر، مدينة الصمود، بوحشية الجنجويد ومرتزقة الكولمبين، فيما يقف العالم على أطراف أصابعه يتفرج، تلوك المؤسسات الدولية بيانات باردة، وتغلق أبوابها في وجه صرخات الجائعين والعطشى، كأنّ الميثاق الذي يرفعونه كتب بحبر النفاق
الفاشر ليست مجرد مدينة سودانية، إنها اليوم ميزان أخلاقي للعالم ، من يقف معها، يقف مع الحق، ومن يصمت أمام حصارها، فهو شريك في الجريمة، وإن تلحف بغطاء القانون والحياد المزعوم،
منذ شهور، تحيط بها جحافل الجنجويد، مدعومة بمرتزقة جاءوا من أقصى الأرض، مرتزقة كولمبين وغيرهم، مدججون بالسلاح، يزرعون الموت حول الأسوار، يمنعون الغذاء والدواء والماء، يحاصرون حتى أنفاس الأطفال والشيوخ
في الجاهلية، كان الرجل يثور حين يرى ظلمًا، حتى لو كان عدوه خصم قبيلته، لأن الفطرة لم تتلوث ، أما في حضارة القرن الحادي والعشرين، فقد غرق الضمير في وحل المصالح، وصارت حياة الشعوب تُساوم على طاولة السياسيين، وتباع في المزادات العلنية خلف الأبواب المغلقة
يا أيها العالم، لا تتحدثوا عن قيم وأنتم تتركون الفاشر تُذبح في العراء، لا ترفعوا شعارات الإنسانية وأنتم تغضون الطرف عن أطفال ينامون على بطون خاوية، عن نساء يواجهن الموت عطشًا، عن رجال يصدّون الموت بصدور عارية
الفاشر اليوم تصرخ، ليس فقط في وجه قاتليها، بل في وجه حضارة كاملة باعت روحها للشيطان،
والتاريخ يسجل… كما سجل موقف زهير بن أبي أُمية قبل قرون، لكنه هذه المرة سيكتب أن الجاهلية كانت أرقى، وأن حضارة هذا الزمن لم تعرف من الحضارة سوى إسمها
إني من منصتي أقول : الفاشر ستبقى، لأن المدن التي تبنى على الصمود لا يهزمها حصار، والذين يتوهمون أن الجوع والعطش يكسران إرادة أهلها لم يقرأوا التاريخ جيدًا، سيكسر الحصار كما كُسرت صحائف الظلم من قبل، وسيبقى العار معلقًا على جبين كل من صمت، وكل من تفرج، وكل من باع دماء الأبرياء بثمن بخس.