Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني اليد التي تصافح والظل الذي يقتل !

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
اليد التي تصافح والظل الذي يقتل !
ليس محمد بن زايد في الوعي السوداني مجرد اسم على نشرة أخبار، ولا صورة عابرة في صالونات السياسة، بل صار عنوانًا كثيف الدلالة على زمن عربي اختلط فيه المال بالدم، وتزاوجت فيه الدبلوماسية مع الخراب، حتى صار الطغيان مشروعًا إقليميًا له أدواته ومقاولوه وسماسرة الخرائط ، لذلك حين تتداول الميديا أخبارًا عن وعكة أو ارتباك أو توتر في قمم القرار، فإن السوداني لا يتعامل معها كخبر طبي، بل كإشارة رمزية على أن عدالة السماء لا تنام، وأن للدم حسابًا، وللأنين ذاكرة، وللدعاء سيفًا لا يُرى لكنه لا يخطئ
محمد بن زايد، في نظر شعب أثخنته الجراح، ليس زعيمًا، بل أثر جريمة ممتدة، ظلٌ ثقيل عبر حدود الدول، يترك خلفه مدنًا مكسورة وخرائط متصدعة وأجسادًا بلا أسماء، من الخرطوم إلى دارفور، ومن النزوح إلى المقابر الجماعية، تشكلت صورة لا تحتاج إلى دليل، لأن الأدلة تمشي على قدمين في معسكرات اللجوء، وتصرخ من عيون الأمهات، وتئن في حناجر الأطفال الذين صاروا شيوخًا من فرط الفقد، في هذا السياق، لا يعود السؤال: ماذا أصاب الرجل؟ بل: متى يصيبه الحساب؟
السياسة بلا ضمير، تتحول إلى آلة طحن كبرى، لا ترى في الإنسان سوى رقم، ولا في الوطن سوى صفقة، ولا في الدم سوى تكلفة جانبية، وهنا تحديدًا يقف اسم محمد بن زايد في واجهة الاتهام الشعبي، لا بحكم الشائعات، بل بفعل تراكم الوقائع التي جعلت منه رمزًا للتدخل الخشن، والتلاعب بمصائر الشعوب، وإشعال الحرائق ثم التظاهر بلعب دور رجل الإطفاء، لهذا، فإن أي حديث عن ارتباك أو عزلة أو ضغوط دبلوماسية لا يُقرأ في السودان بمعناه البروتوكولي، بل كإشارة أولى إلى تصدع صورة (الرجل القوي)! الذي طالما ظن أن المال قادر على شراء كل شيء، حتى الصمت،
لكن ما لا يشتريه المال هو الدعاء، ذلك السلاح الذي لا يحتاج إلى منصات إطلاق، ولا إلى غرف عمليات، ولا إلى غرف مظلمة لتخطيطه، الدعاء يخرج من صدور محروقة، من أم فقدت زوجها وابنها في آن واحد، من شيخ هُدم بيته فوق ذاكرته، من طفل تعلم أسماء المدافع قبل أسماء الطيور ! هذه الدعوات، التي تُرفع في جوف الليل وفي لحظات الانكسار القصوى، لا تذهب هباءً، لأنها تخرج من قلوب لا تملك سوى الله، ومن حناجر لم يبقَ لها إلا الرجاء
التاريخ ليس كتابًا للمنتصرين فقط، بل مقبرة مفتوحة للطغاة، كم من متجبرٍ ملأ الدنيا ضجيجًا، ثم اختفى كأنه لم يكن؟ كم من سلطانٍ ظن أن عرشه أبدى من الجبال، فهواه الزمن في لحظة؟ الطغيان لا يموت واقفًا، بل يسقط متآكلًا من الداخل، محاصرًا بلعنات الضحايا، مطاردًا بكوابيس المظلومين، حتى يصبح اسمه مرادفًا للخزي، وفي هذا المسار القاسي، يبدو محمد بن زايد، مهما طال الزمن، مشروع قصة سوداء، لها عنوان فاضح، ومتون ملوثة، ونهاية لا يأسف عليها أحد.
قد يملك الرجل قصورًا وجيوشًا من المستشارين وواجهات إعلامية مصقولة، لكنه لا يملك راحة الضمير، ومن لا يملك راحة الضمير لا يعرف النوم العميق، ولا يطمئن إلى الصمت، ولا يثق في ابتسامة الحلفاء، لأن الطغاة، مهما تجمّلوا، يعرفون في أعماقهم أنهم يمشون فوق أرض رخوة من الدم، وأن أي ارتعاشة في الجغرافيا قد تفتح تحت أقدامهم هوة لا قاع لها
إني من منصتي انظر ….حيث أقول: محمد بن زايد يراه السوداني: ليس ديكتاتورًا عربيًا فقط، بل عنوانًا لمرحلة مظلمة، ونقطة سوداء في دفتر الإقليم، ورمزًا لسياسة لم تحسب أن الشعوب قد تصمت طويلًا لكنها لا تنسى، وحين يكتب التاريخ خاتمته، لن يحتاج إلى كثير من البلاغة ليصف هذا الاسم، فتكفيه جملة واحدة: هنا مرّ رجل، فترك خلفه رمادًا، ولم يترك أسفًا.

