Uncategorized
أعلي المنصة ياسر الفادني إثيوبيا وإريتريا: كلاكيت..سيناريوهات

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
إثيوبيا وإريتريا: كلاكيت..سيناريوهات
ليست المشادات الأخيرة بين أديس أبابا وأسمرا مجرد تبادل تصريحات أو توتر دبلوماسي ، بل هي مؤشرات إنذار مبكر لتحوّل استراتيجي خطير في توازنات القرن الأفريقي، عنوانه الكبير: الميناء… والبحر… والسيادة،
الخلفية العميقة لهذا التصعيد تبدأ من لحظة تاريخية بسيطة في ظاهرها، كارثية في نتائجها: تحوّل إثيوبيا إلى دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا عام 1993 ، ومنذ ذلك اليوم، ظل البحر الأحمر عقدة جيوسياسية في الوعي الإثيوبي، وجُرحًا مفتوحًا في الحسابات الاقتصادية والعسكرية، ومع صعود آبي أحمد، لم يعد هذا الملف يُدار بالهمس الدبلوماسي، بل خرج إلى العلن بعبارات صريحة: (الوصول إلى البحر حق طبيعي لإثيوبيا)
إثيوبيا اليوم، التي يتجاوز عدد سكانها 135 مليون نسمة، تعتمد بنسبة تفوق 90% على ميناء جيبوتي، بتكلفة سنوية تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار، وهو ما تعتبره عبئًا خانقًا على اقتصادها وطموحاتها الإقليمية ، لهذا عاد ميناء عصب الإريتري إلى الواجهة كورقة سيادية استراتيجية ذات أبعاد عسكرية وأمنية خطيرة
في المقابل، تنظر إريتريا إلى هذه التصريحات بوصفها تهديدًا وجوديًا مباشرًا، لا مجرد نقاش اقتصادي
ولذلك جاء الرد الإريتري عالي النبرة، محمّلًا اتهامات لأديس أبابا بمحاولات زعزعة الاستقرار الإقليمي، والتلميح إلى مشاريع توسعية مقنّعة بلغة التنمية والانفتاح البحري
الخطير في المشهد أن التوتر لا يتحرك في فراغ، بل فوق أرض رخوة اسمها إقليم تغراي، فالإقليم الخارج لتوه من حرب طاحنة، عاد ليصبح منطقة تماس حساسة بين القوتين، مع تقارير عن تحركات عسكرية، وتحصينات، واستعدادات ميدانية تعكس أن الطرفين لا يستبعدان سيناريو الصدام
أما القراءة المستقبلية، فتتجه نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: احتواء دبلوماسي هش
تحت ضغط المجتمع الدولي، قد يُعاد تدوير الأزمة عبر مسارات تفاوضية، تتضمن صفقات اقتصادية مرنة، كمنح إثيوبيا تسهيلات استخدام في موانئ إريتريا دون المساس بالسيادة، لكن هذا السيناريو يظل هشًا، لأن جذور الأزمة نفسية وسيادية أكثر من كونها اقتصادية
السيناريو الثاني: حرب باردة إقليمية
وهو الأخطر والأرجح على المدى المتوسط: تصعيد سياسي، تعبئة إعلامية، سباق تسلح، وتحريك وكلاء محليين في مناطق النزاع، خصوصًا في تغراي والمناطق الحدودية، بما يعيد إنتاج نموذج (اللاحرب واللاسلم)
السيناريو الثالث: انفجار عسكري محدود
ضربة خاطفة، أو احتكاك حدودي يتحول إلى مواجهة مفتوحة، خاصة إذا أحست أديس أبابا بأن مشروعها البحري يُغلق بالكامل، أو شعرت أسمرا أن سيادتها مهددة وجوديًا
في كل الأحوال، فإن القرن الأفريقي يقف اليوم فوق صفيح ساخن، أي شرارة صغيرة قد تشعل نزاعًا واسعًا، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية: البحر الأحمر، أمن الممرات التجارية، النفوذ الخليجي، والتمدد الروسي والصيني
اللافت أن هذه الأزمة تكشف حقيقة أعمق:
أن السلام الذي أعقب اتفاق 2018 بين آبي أحمد وأسياس أفورقي لم يكن سلام دول، بل هدنة مصالح مؤقتة، وحين تغيّرت المصالح، عاد التاريخ من نافذة البحر
إني من منصتي انظر ….حيث أري….. إن ما يجري اليوم بين إثيوبيا وإريتريا صراع على الدور والمكانة والمستقبل، ومن لا يقرأ الجغرافيا جيدًا، تبتلعه نيرانها سريعًا.




