رأي
من أعلي المنصة ياسر الفادني فَلَرُبَّما هَزَمَ الكَتِيبَةَ واحِدٌ…. وَلَرُبَّما جَلَبَ الدَّنِيئَةَ مَعْشَرٌ

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
فَلَرُبَّما هَزَمَ الكَتِيبَةَ واحِدٌ…. وَلَرُبَّما جَلَبَ الدَّنِيئَةَ مَعْشَرٌ
حين يسقط شهيد من جنود القوات المسلحة أو من رفاقهم الساندة، تهتز منابر العدو الإعلامية طرباً، وتدق أبواقهم نشازاً، كأنهم أحرزوا نصراً مبيناً، أو زلزلوا الأرض تحت أقدام جيشٍ هو في قوته جبلٌ لا يزول،ما ذاك إلا لأن ذلك الشهيد كان سداً منيعاً، وسيفاً مصلتاً في وجوههم، قد يحطم كتيبة بكاملها أو يوقف زحفاً ظنوه جارفا، فيرتدون إلى دعايات باردة، ينسجون حوله الأباطيل: جواز دبلوماسي، أو صفة متوهمة، أو خرافة من نسج الهزيمة
وفي المقابل، تضج ميادين الوطن بالحزن الممزوج بالفخر، فاستشهاده وجع في القلب، لكنه وسام على الجبين، يُحكى عنه من الثقات ما يبهج الروح: طهارة في السيرة، نقاء في الخُلق، شجاعة في الصفوف، وبذل لا يعرف التردد ، هو الشهيد؛ تذوب في خطاه معاني البذل، وتبقى ذكراه شعلةً لا تنطفئ
أما إذا هلك أحد قادة المتمردين، جاء ذكره بارداً باهتاً، إسماً غريباً كوجهه، وملامح سوداء كأفعاله، لا دعاء عليه بالرحمة، ولا دمعة تُسكب له، ولا أثر يُذكر بخير ، لا يُتلى في سيرته إلا السباب، ولا يُسطر في تاريخه إلا الخيانة والنهب والاغتصاب وسائر الموبقات، يموت كما عاش: نكرة، تائه بلا مأوى في ذاكرة الناس
ذاك هو الفرق بين من ترك الأهل والزوج والدار، وحمل البندقية ليذود عن دينه وعرضه وأرضه، لا يبتغي إلا وجه الله، فإذا إرتقى لم يتغير فيه إلا أنه صار شهيداً… وبين من باع نفسه بمالٍ زائل، وجعل البندقية مطيةً للسرقة والغنيمة، فإذا مات حمل معه لعنة الأرض وسخط السماء، وما ظنه رزقاً صار في الآخرة حطب جهنم
أروني متمرداً صادقاً جاء من بلادٍ آمنة أو من دولةٍ أوروبية، اختار السلاح نصرةً لقضية! ما رأينا إلا عملاء يأتون دقائق معدودات، يتزينون بعدسات الكاميرات، ويغادرون وقد تركوا وراءهم كذبةً فارغة، أما قادتهم فهم أبعد عن الميدان من الأرض عن السماء، يرسلون إشارات كاذبة، ويبعثون صوراً مزورة، يدّعون أنهم في قلب النار، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن وهجها
لكن القائد في القوات المسلحة السودانية، لا يقود من خلف جدار ولا من وراء ستار؛ بل يقف في مقدمة الصفوف، يواجه الموت وجهاً لوجه، فإن إستشهد، إستشهد بين جنوده، وترك لهم إرثاً من الشرف لا يزول
إني من منصتي أنظر …. حيث أرى…. فارقا عظيما بين جيش عقيدته الحق، ومليشيا عقيدتها الإرتزاق والخراب.