رأي
من أعلى المنصة ياسر الفادني من كم سنة؟ماقُلتِي لي أخبارك إيه؟ مَالك مَشيتْ مِن حينا

من أعلى المنصة
ير الفادني
من كم سنة؟ماقُلتِي لي أخبارك إيه؟ مَالك مَشيتْ مِن حَيَّنا ؟
أغنية صابر معاك صبرا طويل تمثل واحدة من الذُرى التي إرتقى إليها الغناء السوداني، ليس فقط من حيث النص الشعري الذي أبدعه تاج السر عباس، بل كذلك في اللحن الشفيف والأداء الممزوج بين قوة حسن خليفة العطبراوي ودفء عصام محمد نور
النص الشعري يقوم على السرد العاطفي الممتد، إذ يتخذ من الصبر على الحب محورًا وجوديًا، يجعل العشق معاناةً ، الشاعر يتكئ على لغة صافية وشفافة، ولكنها محملة بعُمق وجداني يفيض بالصور البلاغية ،الحبيب هنا ليس مجرد معشوق عابر، بل كائن متعالٍ يرفع العاشق عن محيطه، ويجعله يعيش غريبًا بين أهله من( كم سنة عايش معاك زي الغريب)، هذه الغربة العاطفية تستحيل عند تاج السر إلى مجاز للحياة كلها، إذ يلتقي الحزن والحرمان والانتظار في نسيج واحد يخلق معنى الصبر الطويل
الجمال البياني يتبدىء في قدرة الشاعر على إستدعاء الموروث الشعري العربي في تشبيهاته، (لو قلتي قيس والله قيس بالنسبة لي لا شاف عذاب لا ضاق ألم) إنه إستدعاء لرمزية قيس وليلى ولكن مع إعادة صياغة تجعل المعاناة السودانية في الحب أكثر التصاقًا بالواقع، ثم تتدرج الصور إلى انزياحات غنية بالمجاز مثل (أروح أجيب ضي النجوم منظوم عقود) و(أمشاط حرير لي ستنا) ، حيث تتحول الماديات إلى رموز للحب المثالي، وتُستعار عناصر الكون لتكون هدية للمعشوقة، وهو تصعيد بلاغي يعكس فرادة التجربة الشعرية
اللحن الذي وضعه العطبراوي منساب كالنيل، يركن إلى البساطة لكنه مشبع بجرس داخلي يجعل المفردة الشعرية متألقة، عذوبة الموسيقى تكمن في عدم المبالغة، فهي تحافظ على الانسياب الطبيعي للنص وتترك للأداء الصوتي أن يُكمل الدور التعبيري
صوت العطبراوي هنا يبدو كأداة نحت للنص، فهو صوت ذو بُعد بدوي صريح، يحمل قوة الريف وصلابته، لكن حين يمتزج مع الكلمة واللحن يخرج في شكل عاطفي دافق، يلامس القلب بلا حواجز
أما دخول عصام محمد نور في الأداء المشترك فهو بمثابة لمسة حديثة أضافت نعومة للصوت العطبراوي الصلد، عصام يحمل طابعًا حضريًا في غنائه، يمتاز باللين والرقة، فجاء صوته في الأغنية كصدى يوازن بين القوة والنعومة، بين الطلعة البدوية الجسورة التي يمثلها العطبراوي وبين الحس الحضري الذي يقدمه عصام، هذا التلاقي بين صوتين ينتميان لمدرستين مختلفتين يخلق تمازجًا نادرًا يجعل الأغنية كأنها تحاور أجيالًا مختلفة في وقت واحد
إني من منصتي… أستمع …. لهذا النبض الغنائي الذي هو لوحة مكتملة الأركان: شاعر متفرد في صياغة العاطفة بالصور البلاغية واللغة المشبعة بالوجدان، ملحن يعرف كيف يسكب الألحان لتخدم النص لا لتغطي عليه، وأداء صوتي مزدوج يبرهن أن الغناء السوداني قادر على الجمع بين قوة الريف ورهافة المدينة، إجتماع تاج السر عباس والعطبراوي وعصام محمد نور في صابر معاك لم يكن مجرد تعاون، بل كان إحتفالًا شعريًا ولحنيًا وصوتيًا، احتفالًا بالحب في صبره الطويل، وبالغناء السوداني في أجمل تجلياته.