رأي
سفر القوافي محمد عبدالله يعقوب في ذكرى رحيله الثامنة .. الفنان بلاص الباحث القاص !!

سفر القوافي
محمد عبدالله يعقوب
في ذكرى رحيله الثامنة .. الفنان بلاص الباحث القاص !!
مرت في مايو الماضي ثمان سنوات على رحيل المبدع المتفرد في كل بؤر الابداع الفنان والشاعر عبد الرحمن بلاص ، ايقونة شمال السودان الخالدة ۔
عليه اترك هذه المساحة كاملة للدكتور
صلاح الرشيد حمد بجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية – الرياض – ليبكيه في ذكراه وهو احد اللصيقين به ۔
ويقول الدكتور صلاح تحت عنوان ” في ذكرى رحيل ..الفنان بلاص الباحث القاص ” :
(( الفنان الشامل المتعدد المواهب عبد الرحمن وقيع الله عبد الرحمن بلاص المعروف في الوسط الفني بعبد الرحمن بلاص من مواليد قرية (السقاي) بالولاية الشمالية محلية مروي في العام الميلادي 1934 … هكذا تقول شهادة تسنينه كما تقول أيضاً إنه إبن الحاجة نفيسة بت حسين ود الهرم … ترتيبه السادس بين إخوته الثمانية:
رقية … ميرغني … مصطفى … نورا … حسن … عبد الرحمن … عبد الله … السيدة … محمد.
نشأ وترعرع في كنف أسرته وبين إخوته شأنه شأن كل أطفال القرى وقتذاك ولكنه تميز عليهم بأنه كان مشاغباً ومتطلعاً إلى المعالي منذ نعومة أظفاره حيث تبلورت جذوة الفن عنده من خلال البيئة التي شب فيها وكان لصيقاً بجده لوالدته حسين ود الهرم صاحب ذلك الصوت الجميل الرنان الذي كان يردد به مدائح حاج الماحي وغيرها من المدائح المتداولة في ذلك الزمن بطريقة ملفته للنظر فكان يستمع إليه بكل جوارحه وذلك أسهم كثيراً في تشكيل دواخله الفنية فأحب المديح عامة وخاصة مدائح حاج الماحي من خلال ترديد جده لها.
درس الأولية والثانوية العامة بمدارس مروي ثم غادرها في العام الميلادي 1955 إلى الخرطوم حاملاً معه الكثير من الموروث الذي إستهواه ومَلك عليه ذاته فلم يجد منه فكاكاً طيلة سنوات حياته.
إلتحق بالمدرسة العربية (القسم المسائي) وإلتحق كذلك صباحاً في ذات العام بالبوليس بمدينة ود مدني ثم عمل بالطيران المدني في العام الميلادي 1957 وبدأ في ممارسة نشاطه الفني كمُغني في ذات العام … في أثناء عمله ودراسته كان يراسل بعض الصحف والمجلات بعدة مواضيع مختلفة تتعلق بالتراث كلها وجدت الإستحسان والإشادة من محرريها مما شجعه على التفكير في إصدار مجلة خاصة فكانت مجلة (كل الفنون) في العام الميلادي 1959 مع زميليه عبد الرحمن حمزة ومحمد إبراهيم حتيكابي وكان ذلك من مواردهم الخاصة … ظهرت كمجلة فنية متخصصة ملأت الساحة ضجيجاً إلى أن لقيت حتفها بعد عدة سنوات من إصدارها حينما عجزوا عن سداد تكاليف طباعتها بعد أن تراكمت عليهم الديون … بعدها بعام إلتحق بوزارة الإستعلامات والعمل وتنقل فيها على عدد من الإدارات وفي ذات العام كذلك أي عام 1960م إلتحق كمحرر بمجلة (هنا أم درمان) الذائعة الصيت في ذلك الوقت.
في العام 1960م ذاته تزوج من الحاجة عائشة محمد أحمد (بت العسيكري) وأنجب منها
العام الميلادي 1960 كذلك شهد دخوله للإذاعة لتسجيل عدد من الأغنيات في برنامج (صفحات على الهواء) الذي كان يقدمه الأستاذ الشاعر محمد الفيتوري حيث وجدت الحلقة إستحساناً كبيراً لدى المستمعين فإنهالت الخطابات على البرنامج مطالبين بالمزيد من الأغنيات والحديث عن التراث فكانت أول أغنية خاصة به هي أغنية (الشفة) للشاعر حدربي محمد سعد الذي تعامل معه فيما بعد بعدة أغنيات جياد … قراءاته الكثيرة وخاصة في مجال الشعر والنقد والتراث كانت هي ميزانه الذي يزن به القصائد التي تُعرض عليه للغناء ساعده على ذلك أنه بدأ كاتب قبل أن يكون مغنياً لذلك وجدت أغنياته التي تغنى بها قبولاً حسناً عند المستمع … بعد أن توقفت المجلة كتب في العديد من الصحف والمجلات منها:
صحيفة الأيام والصحافة والصراحة والأحرار الرأي العام والسياسة والشارع السياسي والأضواء وقوون والقوات المسلحة والوفاق والسودان الحديث ومجلة هنا أم درمان ومجلة الشباب والرياضة ومجلة الإذاعة ومجلة مروي ومجلة صوت الشباب.
إشتهر بكتابة عمود بعنوان (نماذج بشرية) والذي قام فيما بعد بجمع مواده في كتاب بذات العنوان … ذلك العمود جعله نجماً وإسماً لامعاً في سماء الكتابة الصحفية لأنه كان يمتاز بقلم رشيق وإسلوب سهل وسلس وممتع نسبة لإلتصاقه بقضايا الناس العامة والخاصة يحكي عنها ويوضح أسبابها ثم يتعهدها بعد عرضها بالصحف بالمتابعة وملاحقة المسؤولين حتى يجد لصاحب القضية الحل الناجع.
كان كذلك أحد مؤسسي الفرقة القومية للفنون الشعبية مع الراحل الفكي عبد الرحمن في العام الميلادي 1967 بعد قيام معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية كما كان يُسمَّى عند تأسيسه وكان مديره وقتها الماحي إسماعيل حيث تولى بلاص مهمة الإشراف والإدارة بالفرقة وعمل مع خبير روسي في شؤون الرقص والإستعراض حيث سافر مع الفرقة كثيراً كإداري داخل وخارج السودان وشارك في مهرجان الثقافة الأفريقي الأول الذي أقيم بالجزائر عام 1969م … كانت الفرقة في ذلك الزمن مميزة جداً ويسودها الإنضباط والنظام ولو كُتبت لها الإستمرارية لأصبح لها شأناً كبيراً على المستويين الداخلي والخارجي حينذاك ولكنها تعثرت بعد سفر الخبير الروسي وتغيرت إدارة المعهد بإدارة تفتقد للخبرة والتجارب فإعترض بلاص على التخبط الواضح في طريقة عملها وإدارتها فتجاهلوا كلامه وهمَّشوه إلى أن توقفت الفرقة تماماً عن العمل وبدأت في العد التنازلي إلى أن تهالكت لأن الإدارات التي ظلت تتعاقب عليها ليست لها الخبرة الكافية لتسييرها.
أما الخبرة التي إكتسبها هو أتت من فرقته الخاصه التي كوَّنها عام 1962م أي قبل فرقة الفنون الشعبية حيث إهتم بها كثيراً ووضع لها اللوائح والنظم الصارمة ووحد الزي لكل الفرقة والذي كان يتكون من عَراقي وسروال وطاقية حمراء وصديري أسود ومركوب أحمر ليشمل كل مناطق السودان وقام بتنظيم الكورس في الغناء وتحريك المُغني للأمام بعد أن كان يقف وسط المجموعة في غناء ما يُسمَّى بغناء الصف … كانت فرقتة مكونة من خمسة عشر رجلاً وسبع نساء قام بتدريبهم على الإستعراض بميدان المولد ببحري على أكمل وجه حتى برعوا فيه وأتقنوه بصورة ممتازة مما جعل إدارة فرقة الفنون الشعبية تستعين به وببعض أعضاء فرقته لعمل عروض مسائية يومية على خشبة المسرح القومي الذي تم تشييده قبل ذلك بقليل وخاصة عندما يكون هنالك ضيوف أجانب … إلى جانب ذلك عمل بلاص بالمسرح القومي بأم درمان كمراقب خشبة ثم عضو بالمصنفات الأدبية وشارك إبان فترة حُكم الفريق عبود في عدد من الإحتفالات بالأعياد الوطنية بمفرده كمُغني أو مع فرقته الخاصة أو مع فرقة الفنون الشعبية ناثراً الفرح بكل أرجاء الوطن … كذلك أوكِلت له مهمة تدريب الشباب في كثير من الولايات لدعم فرق الفنون الشعبية وذلك بإيعاز من الخبير الروسي الذي كان يثق في مقدراته التدريبية كثيراً … أيضاً كان له حضور فاعل في إحتفالات البلاد بأعياد الوحدة الوطنية في مدينة كادوقلي عام 1977م ومدينة الدمازين عام 1978م وشارك في الكثير من إحتفالات أعياد الإستقلال كذلك في كل الولايات … تنقل مع رفيق دربه الباحث محجوب كرار في أغلب مناطق الشايقية بحثاً وتدويناً لتراث المنطقة فأصبح مرجعاً لكل باحث في التراث … كذلك شارك في تقديم العديد من المحاضرات عن تراث المنطقة بروابط طلاب الجامعات والمعاهد العليا بالخرطوم وهو أول من أدخل الموسيقى في أغنية الطنبور حيث تعامل مع فرق موسيقى الجيش والسجون والإكروبات بحُكم علاقاته الواسعة مع تلك الجهات ومع الكثير من أهل الفن والإعلام آنذاك … يْعتبر بلاص واحداً من أعلام الطريقة الختمية حيث كان يشاركهم في لياليهم وحولياتهم (كسفَّان) مادحاً المصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بصوته الندي الطروب … كذلك يُعتبر من الرعيل الأول لأغنية الطنبور … له بالإذاعة السودانية والتلفزيون حوالي خمس وأربعون عمل فني مسجل … قام بتأليف العديد من الكتب القيمة التي تُعنى بأدب وتراث المنطقة عموماً في شكل قصص مشوقة جداً منها:
لقاءات معهم … نماذج بشرية … أغاني بلاص … صور وحكايات من تراث الشايقية الشعبي … الزواج عند الشايقية زمان ولقطات فنية شعبية متنوعة … أنغام طنبور … المرتبة (مجموعة قصص) … الأبونيه (مجموعة قصص) … من المخلاية (أربعة أجزاء).
حط عصا الترحال من ميادين العمل العام في العام الميلادي 2001 بعد أن عرك الحياة وعركته.
إلى جانب ما تغنى به من كلمات تراثية كتب لنفسه العديد من الأغنيات كما تعامل مع كثير من الشعراء الأماجد منهم على سبيل المثال لا الحصر:
حدربي محمد سعد … محمد حمد الشلالي … إسماعيل حسن … السر عثمان الطيب … إبراهيم الراوي … عبد القيوم إبراهيم مالك … عبد الحفيظ الرباطابي … محمد الحسن محمد سعيد … محمد جيب الله كدكي … فاطمة بت نعمي … الرسالة الطيب.
في يوم الخميس الرابع من مايو للعام الميلادي 2017 نعى الناعي لنا رحيل الفنان والأديب المتميز والمؤرخ المتعدد المواهب والقاص البارع والمثقف الوطني المهموم بقضايا التراث الفنان عبد الرحمن بلاص بديوم بحري وقُبر بمقابر حِلة حمد بمدينة بحري التي عشقها وعاش فيها أجمل سِني عمره على حد قوله … أسأل الله له الرحمة والمغفرة )) .
( إنتهى ) ۔
خروج أول
عرفنا الراحل بلاص في تسعينات القرن الماضي وهو يكتب زاويته معنا في صحيفة القوات المسلحة وكان له العديد من الأقارب فيها وابرزهم مدير التحرير الرائد عوض الله سليمان حسين ( أسكون ) ونجله الاستاذ عماد عوض الله والاستاذ النعمان محمد حبيب الله ، والاستاذة حميدة محجوب والاستاذ المثقف عبد الواحد وراق والاستاذين علي شيخ ادريس وشقيقه عبدالله ۔
وكان للمرحوم اصدقاء بالصحيفة منهم سعادة اللواء محمود قلندر رپيس التحرير والعميد عبد العظيم نور الدين والعميد الراحل حميدة جمعة حميدة والعميد عبد الباقي الجيلاني والاساتذة مزمل عبد الغفار والدكتور مكي محمد مكي والراحل حسن كفاح وتطول القائمة إذ أن المبدع بلاص كان أمة وكان ينثر الأدب والفن اينما حل ، فله الرحمة والمغفرة ۔