رأي

من أعلي المنصة ياسر الفادني ليها بِتْحِن القوافي …بيها تِنْدَسَي المرافي !!

من أعلي المنصة

ياسر الفادني
ليها بِتْحِن القوافي …بيها تِنْدَسَي المرافي !!

تأتي الأغاني أحيانًا كأنها رسائل من القلب إلى القلب، لكن بعض الأغنيات تتجاوز هذه البساطة لتغدو جزءًا من الذاكرة الجمعية، قطعة حنين تُحفر في وجدان شعب بأكمله، هكذا هي أغنية “بفرح بيها”، التي كتب كلماتها الشاعر محمد الفاتح عبدالعظيم، وغناها بصوته الدافئ الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، وحملت توقيع لحن من الهادي حامد ود الجبل

في بساطة ترديد اللازمة “بفرح بيها… بفرح بيها”، يفتح الشاعر بوابة للفرح العميق الذي لا يحتاج إلى تفسير منطقي، فرح طفوليّ النبرة، عفويّ الروح، لكنه محمول على أجنحة الصور الشعرية الراقية البنية التي “هاجدة في أحضان خواطري” ليست مجرد معشوقة، بل رمز للسكينة التي يستكين إليها القلب بعد طول غياب، أما “اللامست إيد السعادة وضجت الأشواق عليها”، فهي استعارة عبقرية تجمع بين اللحظة الحسية والانفعال الداخلي، حيث يتحوّل الجمال إلى فعل ملموس يهز كيان الشاعر

يتقدّم النص بانسياب يشبه مجرى نيلٍ هادئ، فتنهض الحبيبة “التي أيقظت نبض الحروف في قلوب صدر الكلام”، كما لو أنها ليست فقط منبع الحب، بل أيضًا منبع اللغة والقصيدة ولأن الشعر الجيد يوقظ ما بداخلنا، فإن هذه الكلمات تستدعي مشاعر دفينة وتعيد تشكيل الذكريات، كأنما تعيد ترتيب الصور في ألبوم الحياة

التركيب الموسيقي للأغنية لا يستعرض تعقيدات لحنية، بل يكتفي ببناء بسيط وذكي، يُراعي خصوصية المستمع السوداني ويعتمد على التكرار الموزون لإحداث الأثر العاطفي، لا يعتمد على بهرجة آلاتية بقدر ما يحتفي بالانسيابية الصوتية، مما يتيح للمستمع أن يدخل في حالة وجدانية صافية، اللحن يندمج مع الكلمات دون أن يطغى عليها، في ما يشبه شراكة فنية نادرة

أما مشاركة الأداء للراحل محمود عبدالعزيز، فكانها لوحة من الشجن المتزن، صوته القادر على تحويل الحرف إلى شعور، والمقطع إلى لحظة حياة، منَح الأغنية طعمًا أبديًا، لم يكن يغني فقط، بل كان يتنفس مع الكلمات، يطوّعها بمخارج الحنين، ويبعثها إلى المستمع كما تبعث النسمة ظلها في القيلولة هذا الأداء لم يُسجّل فقط في الأستوديو، بل تسجّل في القلوب

ولعلّ الأجمل في كل ذلك أن هذه الأغنية، ورغم رقة بنائها، لم تكن مجرد لحظة طرب، بل باتت عند كثيرين جزءًا من ذاكرتهم العاطفية والوجدانية ، تُغنى في المناسبات، في الجلسات الخاصة، وتجد لها مكانًا على منصات الذكرى كلما احتاج القلب جرعة من الصدق والنقاء، إنها أغنية تحمل ما هو أكثر من لحن جميل أو كلمات شاعرية؛ إنها لحظة فرح صادقة، مكتوبة وملحّنة بأيدي من عرفوا كيف يُترجمون الحب إلى موسيقى

إني من منصتي أنظر …. حيث أحس… في “بفرح بيها”، أننا لم نسمع فقط غناءً، سمعنا الوطن وهو يبتسم.

مقالات ذات صلة

إغلاق