رأي

من أعلي المنصة ياسر الفادني من كم سنة لا هوَ عارف ولا أنا !!

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
من كم سنة لا هوَ عارف ولا أنا !!

ليست أغنية فحسب، بل وجعٌ مُدَوَّن على هيئة صوت، (لقيتو واقف منتظر) ليست لحظة شعرية عابرة، بل زلزال شعوري، فيه يهتز جدار الزمن ويتشقّق جدار القلب، قصيدة كتبها صلاح حاج سعيد بحبر الإنتظار، ولحنها وغنّاها الطيب عبد الله بصوتٍ يُشبه أنين المطر على نوافذ منفى بعيد !

في السطر الأول، يفتح لنا الشاعر بوابة الوجع:
لقيتو واقف منتظر..
إنها ليست مجرد جملة، بل صدمة لقاء مشكوك فيه، ما بين وهم التشابه وجنون التمني، تنهض مشاعر متناقضة كالجمر تحت رماد السنوات، الرؤية تصدّق، والقلب ينهار تحت ضغط المقارنة:
[نفس الملامح والشبه.. والمشية زاتا ووقفتو !!)
من أين أتى هذا الجمال ؟ من الذاكرة أم من واقع مزيف؟ من الماضي أم من وهم اللحظة؟

وهنا يكشف الشاعر مأزقًا وجوديًا:
“لكن آه.. يخلق من الشبه أربعين!”
ليست مجرد حكمة دارجة، بل ملجأ نفسي لمن فقد عزيزًا أو إنتظر غائبًا لزمنٍ لم يُقَسْ بعد، هذا الـ”شبه” ليس مجازًا، بل جُرحٌ في الروح كلما التأم نزف من جديد

ومع تصاعد النَّص، يبدأ صلاح حاج سعيد في تفكيك فكرة الزمن ذاتها. السؤال المركزي:
(من كم سنة؟ لا هو عارف، ولا أنا!)
الانتظار هنا لم يعُد زمنًا يُقاس بالساعات، بل حالة شعورية مُطلقة، انتظار خارج نطاق الوقت، داخل كهف الذاكرة، لقاءٌ مع الماضي في هيئة شخص جديد، صورة شعرية نادرة، تُحوِّل الزمن من خطٍ مستقيم إلى دائرة مغلقة لا خلاص منها

أما اللحن، فقد جاء الطيب عبد الله وكأنه يعزف على وتر القلب لا على العود، لم يصطنع تعقيدًا، ولم يركض خلف إيقاع يُغري الأذن، بل إعتمد على بساطة مقطعية تُشبه السير في حقل ألغام عاطفي، استخدم مقام البياتي، الذي يقطر حزنًا لكنه لا يصرخ، فيه جاذبية توازي صوت العصافير وهي تبكي في الفجر

صوت الطيب عبد الله في هذه الأغنية تحديدًا، يبدو كأنه وُلِدَ من رحم القصيدة، ليس مجرد صوت يغني، بل صوت يئنّ، ينزف، يتردد داخل الفراغ، لم يكن مطربًا هنا، بل راوٍ حزين لحكايةٍ نعرفها جميعًا ولم نجرؤ على كتابتها، نبرة صوته فيها كثير من التواضع الجمالي، كأنها تستأذن الحروف قبل أن تلامسها

هذا الانسجام بين الشاعر، والملحن، والمغني، لا يحدث كثيرًا في تاريخ الأغنية السودانية، ما يحدث هنا هو نوع فريد من الالتحام العاطفي: لا أحد منهم يتقدم على الآخر، بل يصنعون معًا حالة وجدانية لا يُمكن تفكيكها، كل واحد يذوب في الآخر ليولد صوت لا يشبه إلا نفسه

إني من منصتي أنظر ….حيث أستمع الآن … لعسل يتدفق صوتا ، ليس مجرد عمل فني، بل قطعة من الذاكرة الجمعية، خريطة لوجدانٍ سوداني جُبل على الانتظار، الحب، والانكسار النبيل،
إنها ليست أغنية تُغنّى، بل تُبكَى…
أو تُحفظ كدمعة في جيب القلب… تمامًا كمن ننتظرهم…
ولا نعرف إن كانوا سيعودون يومًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق