رأي
من أعلي المنصة ياسر الفادني كل الحَصَل والله … مَامِنِّي !!

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
كل الحَصَل والله … مَامِنِّي !!
أغنية “معذرة” هي واحدة من الدرر الغنائية التي تجسد إلتقاء ثلاثة أسماء صنعت بصمة خاصة في وجدان السوداني: الشاعر كباشي حسونة، والملحن أحمد زاهر، والمطرب زيدان إبراهيم، إنها أغنية مشحونة بالصدق الإنساني، تحكي عن الفقد والخذلان ولكن بلغة مفعمة بالعاطفة، لا تقف عند حدود الشكوى، بل تضع العذر مكان اللوم، وتقدم الحزن في ثوب من السمو والترف الشعري
الكلمات التي خطها كباشي حسونة تتسم بالشفافية والسهولة الممتنعة، فهي ليست غامضة ولا مثقلة بالرموز، لكنها في الوقت ذاته تحوي موسيقى داخلية آسرة، نابعة من تكرار العبارات مثل: “كل الحصل ما مني”، “بالله صدقني”، وهي تكرارات ليست إعتباطية بل تزيد من الإلحاح العاطفي وتضاعف التأثير النفسي في المتلقي، الشاعر لم يكتفِ بالاعتراف بالفشل أو الخيبة، بل نسج صورة فيها قسم و إعتذار وتوسل للعفو، مما يجعل النص أكثر قرباً من وجدان الناس الذين خبروا الخذلان في الحب ، في النص أيضاً براعة بلاغية في المزاوجة بين الصدق العاطفي والجمال اللغوي، مثل قوله: (إنت اللي باني عليك مستقبل أيامي) ، إذ يجمع بين الحاضر المثقل بالألم والمستقبل الذي كان مشرقاً ثم انكسر
أما أحمد زاهر، فقد أخذ هذه الكلمات وسكب عليها لحناً يقطر شجناً، لحناً ينتمي إلى المدرسة اللحنية التي تتسم بالبطء المحسوب، حيث تتسع الجمل الموسيقية لإستيعاب العاطفة الثقيلة للنص، اللحن يقوم على السلم الخماسي السوداني لكنه مشبع بالميل إلى الطابع الرومانسي العريض، فيه مساحات للتطريب، وفيه وقفات عاطفية مقصودة تسمح للصوت بأن يفيض بالأنين أو بالرجاء، زاهر في هذه الأغنية لم يسعَ إلى الزخرفة أو التعقيد، بل جعل اللحن مرآة للنص، بحيث أن المستمع يشعر بأن الكلمة واللحن وُجدا في لحظة واحدة
وعندما نأتي إلى زيدان إبراهيم، فإننا نتحدث عن الصوت الذي يحوّل هذا الإبداع من نص ولحن إلى كيان حي يسكن الذاكرة. صوته في “معذرة” يمتاز بالدفء العاطفي والصدق، وهو يملك تلك القدرة النادرة على إيصال المعنى دون تكلف، حيث يبدو وكأنه يروي تجربته الشخصية لا تجربة شاعر آخر، زيدان يطيل في مخارج الكلمات حين يحتاج النص إلى تأكيد، ويختصر حين يريد أن يغرس معنى الإعتذار في القلب، فتخرج (ارجوك أعذرني) كأنها مناجاة شخصية للمستمع، قوة صوته الرخيم، وقدرته على التنقل بين القرار والجواب بسلاسة، جعلت من الأغنية لوحة مكتملة الأبعاد، فيها نص مبني على صدق، ولحن مشبع بالعاطفة، وأداء صوتي يحولها إلى تجربة وجدانية كاملة
إني من منصتي أستمع….حيث أقول : أن الثلاثي الذي صاغ هذا العمل يجسد معنى التناغم الإبداعي: شاعر يكتب بلغة صافية أقرب إلى نبض القلب، وملحن يترجم هذه اللغة إلى موسيقى متدفقة لا تزاحم النص بل تحتضنه، ومطرب يجعل منها حالة إنسانية يشعر بها كل من يستمع، “معذرة” ليست مجرد أغنية، إنها إعتراف وجداني صادق، وعذر يُقدّم بإسم الحب، وتجسيد لفن صاغه الثلاثة بروح واحدة.