Uncategorized

الفاشر: ساحة إعادة تعريف الصراع السوداني من حرب الميليشيا إلى معركة الدولة عميد ركن محمد المرتضى الشيخ عبد الله أكاديميـــة نميــــــــري العسكريــــة العليا مقدمة

الفاشر: ساحة إعادة تعريف الصراع السوداني
من حرب الميليشيا إلى معركة الدولة
عميد ركن محمد المرتضى الشيخ عبد الله
أكاديميـــة نميــــــــري العسكريــــة العليا
مقدمة
في قلب دارفور، تتجسد مأساة السودان الحديثة بأكثر صورها وضوحًا وعمقًا في مدينة الفاشر، التي أصبحت عنوانًا للصمود الوطني ومرآةً تكشف زيف السرديات الدولية حول طبيعة الصراع في البلاد. هذه المدينة التي تقاوم منذ أكثر من عامين حصارًا خانقًا وهجمات ممنهجة من مليشيا دقلو الإرهابية، لم تعد مجرد مسرح لمعارك عسكرية، بل فضاءً مفتوحًا لاختبار مفاهيم الشرعية والسيادة والكرامة الوطنية، الفاشر اليوم ليست ساحة حرب داخلية كما يحاول البعض تصويرها، بل خط الدفاع الأول عن فكرة الدولة السودانية ذاتها، التي تواجه مشروعًا مضادًا يسعى إلى تفكيكها وتحويلها إلى نموذج (الميليشيا – الدولة) الذي يُراد تعميمه في إفريقيا. وإذا كانت بعض القوى الدولية ما زالت تصرّ على قراءة ما يجري في السودان كـنزاع داخلي على السلطة، فإن الوقائع الميدانية تكشف أن ما يحدث في الفاشر هو حرب مفروضة بكل المقاييس حرب تُدار عبر الوكلاء، وتُغذّى بالدعم المالي واللوجستي والإعلامي الإقليمي والدولي، وتستهدف البنية الوطنية للدولة وجيشها ومؤسساتها السيادية، في هذا السياق، تصبح الفاشر أكثر من مجرد مدينة محاصرة ، إنها نقطة التقاء بين معركة السلاح ومعركة الوعي، وبين إرادة السودانيين في الدفاع عن دولتهم، وإصرار القوى المتدخلة على إعادة صياغة الجغرافيا السياسية والإدراكية للمنطقة بما يخدم مصالحها.
أولاً: من حرب داخلية إلى حرب مفروضة
لم يعد الصراع في السودان، كما تروّج له بعض الدوائر الغربية، مجرد نزاع داخلي على السلطة بين مكوّنين وطنيين؛ بل هو حرب مفروضة على الدولة السودانية من منظومات مصالح خارجية تستهدف تفكيك مركزها السياسي وإضعاف جيشها الوطني وتحطيم هويتها السيادية المستقلة. فالمليشيا المتمردة، التي نشأت في الأصل كقوة أمنية محدودة الدور تحت مظلة الدولة، تحوّلت تدريجيًا إلى جهاز عسكري موازٍ للجيش بفضل دعم مالي ولوجستي واستخباري وإعلامي منظّم، قدمته أطراف إقليمية طامحة إلى توسيع نفوذها في البحر الأحمر وعمق إفريقيا عبر وكلاء محليين ومرتزقة عابرين للحدود. إن ما يجري في السودان اليوم ليس تمردًا محليًا بالمعنى التقليدي، بل تجسيد لمعادلة (الحرب بالوكالة) التي تستهدف تفكيك الدولة المركزية وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للسودان ، لقد سعت هذه القوى إلى تحويل الصراع من معركة بين جيش وميليشيا إلى صراع في الوعي الجمعي، عبر أدوات تضليل إعلامي ضخمة تهدف إلى نزع الشرعية عن المؤسسة العسكرية وتشويه مقاومتها الوطنية، في الوقت الذي تُقدَّم فيه المليشيا كفاعل سياسي أو كـقوة إصلاحية رغم سجلها الواسع في الجرائم والانتهاكات، وبذلك فإن ما يدور في السودان ليس مجرد مواجهة مسلحة، بل صراع على مستقبل الدولة السودانية نفسها: هل تبقى دولة مركزية ذات سيادة، أم تُختزل إلى نموذج هش تُدار فيه السلطة عبر شبكات المال والسلاح والدعاية؟
ثانيًا: الفاشر رمز للصمود الوطني لم تعد الفاشر مجرد مدينة محاصرة في غرب السودان مورست بحقها أبشع أنواع الإبادة الجماعية ، بل تحولت إلى رمز وطني ومعنوي لمعركة الوعي والسيادة، فبين أنقاضها المادية وحصارها الطويل تتجسد أعمق معاني الثبات الوطني، حيث يقف المدنيون والعسكريون كتفًا بكتف في مواجهة واحدة من أشرس حملات الإبادة والتجويع الممنهجة في التاريخ الحديث،إن ما يجري في الفاشر ليس صراعًا على مساحة جغرافية محدودة، بل هو اختبارٌ لإرادة الدولة السودانية في البقاء، ولقدرتها على مواجهة مشروع خارجي يسعى لتقويضها من الداخل تحت غطاء (الأزمة الإنسانية) و(الهدن الإنسانية) التي صيغت في واقع الأمر لتمنح المليشيا هامش تنفس سياسي وعسكري. في عمق هذا الصراع، تتجاوز الفاشر معناها الجغرافي لتغدو مختبرًا استراتيجيًا لإعادة تعريف معادلة القوة والسيادة في السودان، فقد كشفت الوقائع أن الجيش السوداني لا يقاتل من أجل السلطة، بل من أجل الدولة نفسها، وأن المعركة الدائرة في دارفور وكردفان ليست دفاعًا عن مدينة بقدر ما هي دفاع عن فكرة الوطن واستمراريته، هنا تبرز الفاشر كمرآة تكشف نفاق الخطاب الدولي، وتعيد صياغة مفهوم (المقاومة الوطنية) في سياق إقليمي تحاول فيه قوى أجنبية فرض معادلات نفوذ جديدة على حساب الإرادة السودانية، وبذلك، فإن صمود الفاشر لا يمثل فقط ملحمة بطولية، بل يعكس أيضًا ميلاد وعي جديد داخل الدولة السودانية ، وعي يدرك أن البقاء لا يُصان بالسلاح وحده، بل بالتماسك الاجتماعي، والروح الوطنية، والإيمان بعدالة القضية.
ثالثًا: الإعلام الدولي وشراكة الخداع الإدراكي

من أخطر الأسلحة التي وُجِّهت ضد السودان في هذه الحرب ليست الطائرات المسيرة ولا الإمدادات اللوجستية، بل آلة الإعلام الدولي المنحازة التي شكّلت جبهة موازية للعمليات العسكرية، وساهمت بفعالية في إعادة إنتاج سردية مضللة حول طبيعة الصراع. فقد تمكّنت القوى الداعمة للمليشيا من هندسة خطابٍ إعلامي ذي طابع إنساني زائف، يقدّم المتمردين كـضحايا أو قوة إصلاحية تسعى للتغيير، في حين يتم تجاهل الجرائم الموثّقة من قتل جماعي واغتصاب ونهب وتهجير قسري ارتُكبت بحق المدنيين في دارفور والخرطوم وغيرها من المدن، هذه الشراكة الإعلامية في التضليل لم تكن عفوية، بل جزء من منظومة (الحرب الإدراكية) التي تهدف إلى كسر إرادة السودانيين وتشويه صورة جيشهم الوطني، تمهيدًا لفرض تسوية سياسية تُبقي على المليشيا كقوة أمر واقع. إن جوهر هذا التضليل يقوم على تفكيك وعي المتلقي الدولي من خلال ثلاث آليات أساسية: إعادة التوصيف الممنهج. حيث تُقدَّم المليشيا والجيش كطرفين متساويين في نزاع داخلي، ما يُسقِط الشرعية القانونية عن المؤسسة العسكرية ويمحو جذور نشأة المليشيا وتمردها. التحكم في اللغة والصورة. إذ تُستبدل مصطلحات مثل (العدوان الإرهابي المدعوم) و(محاولة تفكيك الدولة) بتعابير مخففة كـ (أزمة إنسانية) أو (نزاع محلي)، مما يغيّب إدراك طبيعة الحرب المفروضة. الانتقائية في التغطية. حيث تُهمل الوقائع التي تُدين المليشيا أو تكشف التدخلات الخارجية، مقابل تضخيم مشاهد إنسانية تُستخدم لتسويق أجندة سياسية محددة. وفي هذا السياق، تظهر نماذج واضحة لانحراف المعايير المهنية في بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى. فـ BBC مثلًا واجهت انتقادات لتغطيتها لدارفور تحت عنوان The New Killing Fields، بأسلوب مثير للعواطف أكثر من كونه تحليلًا موضوعيًا. أما Nicholas Kristof في New York Times، فرغم إسهامه في لفت الانتباه العالمي، إلا أنه قدّم المشهد في قالب تبسيطي يصور الفاعلين كـ (أشرار وضحايا) دون إدراك لبنية الحرب المعقّدة، عليه فإن ما تمارسه بعض القنوات ووسائل الإعلام ليس مجرد انحياز مهني، بل استثمار سياسي في الفوضى، هدفه إعادة تشكيل الوعي الدولي وتبرير استمرار الحرب تحت شعارات براقة، ولذلك، فإن تفكيك هذه المنظومة الإعلامية المنحازة أو على الأقل تعريتها يُعد شرطًا أساسيًا لإعادة تعريف الصراع السوداني على أساس الحقيقة لا التضليل.

رابعًا: البعد الجيوسياسي للصراع
لا يمكن فهم ما يجري في الفاشر وكردفان بمعزل عن الخريطة الجيوسياسية الأوسع التي تحيط بالسودان، فالموقع الاستراتيجي للسودان، على ملتقى البحر الأحمر والقرن الإفريقي والساحل الإفريقي، جعله أحد أكثر المناطق حساسية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، هذه الجغرافيا الحيوية تمثل شريانًا استراتيجيًا للتجارة والطاقة والممرات البحرية، وتجعل من السودان دولة محورية في موازين القوة بين الشرق الأوسط وإفريقيا، ولهذا لم تعد الحرب الدائرة في السودان صراعًا داخليًا، بل امتدادًا لمنافسة إقليمية ودولية على النفوذ والثروات والمسارات الاستراتيجية. تقف وراء المليشيا المتمردة مصالح اقتصادية وأمنية معقدة، تمتد من مناجم الذهب في دارفور إلى الموانئ على البحر الأحمر، ومن شبكات التهريب عبر الحدود إلى التحالفات السياسية العابرة للدول، هذه القوى الخارجية التي تتقدمها دويلة (الامارات) تسعى لتكريس حضورها الجيوسياسي في إفريقيا عبر دعم المليشيات والمرتزقة ولا ترى في السودان دولة ذات سيادة، بل فرصة جيو-اقتصادية يمكن التحكم بها من خلال تفكيك مؤسساتها العسكرية وإضعاف مركز القرار الوطني فيها، ومن هذا المنظور، تصبح الحرب وسيلة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية للسودان بما يخدم مصالح هذه القوى لا مصالح شعبه. إن جوهر البعد الجيوسياسي في الصراع يتمثل في محاولة تحويل السودان من دولة فاعلة إلى مساحة نفوذ مُدارة، تُستغل مواردها من الذهب والزراعة والموقع الاستراتيجي دون أن يكون لها قرار مستقل، لذلك فإن السودان في هذا السياق يعتبر نقطة التقاء مشاريع النفوذ الدولية التي تتقاطع عندها مصالح الدول الكبرى والقوى الإقليمية الطامعة وهنا تتضح المعادلة: ما يُدار في السودان هو صراع على السيادة بقدر ما هو صراع على الجغرافيا. فكل طلقة تُطلق هناك هي دفاع عن مفهوم الدولة السودانية الحرة في وجه نموذج (الدولة التابعة) الذي يراد فرضه على المنطقة.

خامسًا: نحو إعادة تعريف الصراع للمجتمع الدولي لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يُعيد النظر جذريًا في طريقة فهمه وتعامله مع الصراع في السودان، بعيدًا عن القوالب الجاهزة التي صاغتها تقارير المنظمات المموّلة أو التغطيات الإعلامية المنحازة، فالحقيقة التي تتكشف على أرض السودان تؤكد أن ما يجري ليس (أزمة إنسانية) معزولة عن سياقها، بل حرب وطنية دفاعية تخوضها الدولة السودانية ضد مشروع تفكيك مدعوم خارجيًا يستهدف إسقاط مؤسساتها وتدمير بنيتها الوطنية، إن التعامل مع هذا الصراع بوصفه نزاعًا داخليًا متكافئ الأطراف يُعد خطأ استراتيجيًا وأخلاقيًا معًا، لأنه يساوي بين الدولة الشرعية التي تحمي سيادتها وجيشها، وبين ميليشيا متمردة تمارس الإرهاب السياسي والعسكري والإعلامي بدعم خارجي مكشوف. إن مسؤولية المجتمع الدولي لا تكمُن في فرض (هدن إنسانية شكلية) أو (تسويات سياسية هشة) تُبقي على جذور الأزمة، بل في الاعتراف بشرعية الدولة السودانية ودعمها في معركتها لاستعادة سيادتها وبناء مؤسساتها الأمنية والمدنية، فاستقرار السودان لا يتحقق بإرضاء الميليشيات أو مكافأة الخارجين على القانون، بل بتعزيز مفهوم الدولة الوطنية القادرة على حماية حدودها وإدارة مواردها بمعزل عن النفوذ الأجنبي، إن أي مقاربة دولية لا تنطلق من هذا الفهم، إنما تسهم عمليًا في إدامة الفوضى وإضعاف المنظومة الإفريقية برمّتها. ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو تحول في الوعي الدولي من (سياسة إدارة الأزمة) إلى (سياسة بناء الدولة)، فالسودان لا يحتاج شفقة، بل شراكة عادلة، ولا يبحث عن دعم إنساني مؤقت، بل عن اعتراف سياسي بسيادته وحقه في أن يكون جزءًا من منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي على قدم المساواة، ومن هذا المنطلق، تمثل الفاشر نقطة ارتكاز لإعادة تعريف الصراع السوداني أمام العالم لا كحرب أهلية، بل كحرب تحرر وطني تُعيد صياغة مفهوم السيادة في إفريقيا.
خاتمة
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة صمدت أمام الحصار، بل فكرة حية تُجسِّد جوهر الدولة السودانية وهي تقاتل من أجل بقائها، إنها الملتقى الذي تتقاطع فيه الكرامة الوطنية مع الوعي العالمي، حيث يتكثف المشهد السوداني في صورته الأكثر صدقًا: دولة تواجه مشروع تفكيك خارجي، وشعب يقاوم ليحافظ على معنى الوطن في زمن الميليشيات والعقود الرمادية، ففي الفاشر تُكتب سطور جديدة في تاريخ السيادة الإفريقية، وتُعاد صياغة معاني الشجاعة والانتماء والولاء للدولة. لقد آن للعالم أن يفهم أن ما يجري في السودان ليس حربًا أهلية، بل حرب تحرر وطني ضد منظومة تدمير ممنهجة تستهدف هوية الدولة الإفريقية الحديثة، فصمود الفاشر ليس مجرد حدث عسكري أو إنساني عابر، إنه خطاب سيادي مفتوح للعالم يقول إن السودان، برغم الجراح، ما زال واقفًا على أرضه، يدافع عن حقه في الوجود المستقل، وعن حلم القارة في الخروج من دوائر الوصاية والهيمنة، ومن هنا، فإن دعم السودان في معركته ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي ومنع تمدد الفوضى.

مقالات ذات صلة

إغلاق