Uncategorized

السلطنة اليوم السودان … جذور الصراع ومأساة غياب الدولة المدنية:(8) نوفمبر، (2025 ) بقلم د.حامد المرجان كاتب و باحث أكاديمي عماني:

السلطنة اليوم
السودان … جذور الصراع ومأساة غياب الدولة المدنية:(8) نوفمبر، (2025 ) بقلم د.حامد المرجان كاتب و باحث أكاديمي عماني:
الموضوع تطرح مشاهد العنف والاقتتال في السودان سؤالاً ملحّاً: ما الأسباب التي حوّلت هذا الشعب إلى ما نراه اليوم من عنف ووحشية؟ للإجابة لا بد من تتبع تراكمات تاريخية متعددة صراعات قديمة، اختلافات مذهبية وثقافية، وانقسامات قبلية كلّها بنت واقعاً هشّاً مهد للانفجار. اندلع الصراع المسلح عام (2023) بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وبعد سقوط الرئيس عمر البشير عام (2019م) شكّل مجلس سيادي يجمع عناصر عسكرية ومدنية، إلا أن التوتر سرعان ما تصاعد بين قيادة الجيش بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان وقيادة قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، حول من يهيمن على الجيش ومراكز السلطة. ثلاثة تيارات لعبت أدواراً محورية في تعقيد المشهد: الحركة الإسلامية، التي دعمت أجنحة عسكرية لأجندات أيديولوجية: التيار القبلي بما يحمله من ولاءات قبلية: والتيار الوطني الذي ظل منقسماً بين أحزاب وحركات مدنية ومذاهب وانتماءات عرقية. تخيلوا، إذاً، الوضع المركب بين مكونات المجتمع السوداني وتأثير ذلك على قدرة الاستقرار والتوافق.
في خضم مفاوضات تسليم السلطة للمدنيين تباينت الرؤى بين الجيش والدعم السريع بشأن آلية انتقال السلطة. الرجوع إلى تاريخ الصراعات الداخلية يوضح أن هذه النزاعات ليست جديدة: حروب طويلة شهدتها مناطق الجنوب ودارفور والنوبة، ناجمة عن تهميش الأطراف وسيطرة العاصمة على القرار السياسي والاقتصادي، وأسفرت عن انفصال الجنوب وقيام دولة جنوب السودان. منذ استقلال السودان عام: (1956)، وغياب حكم مدني قائم على مؤسسات وقوانين، شهدت البلاد عدة انقلابات عسكرية دفعتها إلى حالة من اللااستقرار السياسي والاقتصادي. هذا الواقع اتسعت رقعته بفعل تدخلات إقليمية ودولية بدوافع أيديولوجية واقتصادية دعمت أطرافاً متنازعة على السلطة. غياب دولة المؤسسات وقانون واضح دفع السلطات المتعاقبة إلى توزيع الثروة والنفوذ على أسس قبلية لا على أساس الكفاءة أو المواطنة، فظهرت أحاسيس تمييز وتهميش بين المواطنين. شعرت قبائل دارفور وكردفان بأنها أضعف منزلة من قبائل الشمال والوسط، وهذا الشعور بالظلم العرقي غذّى حركات تمرد مثل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة.في المقابل، يهيمن على الجيش السوداني عناصر من قبائل الوسط والشمال مثل الشايقية والجعلين، بينما تتجذّر قوات الدعم السريع بين قبائل دارفور مثل الرزيقات. بذلك يصبح الصراع مدفوعاً بعوامل قبلية وعرقية وتهميشية، وهو في جوهره لا يختلف كثيراً عن صراعات شهدتها دول مجاورة كاليمن والعراق وليبيا وسوريا مع فروق ظرفية. أظهرت التجربة أن الأحزاب السودانية من الأمة والاتحادي إلى الشيوعي وقوى الحرية والتغيير لم تنجح في إتمام الانتقال إلى الديمقراطية وبناء دولة مؤسسات وقانون، وأن الخلاف بين المدنيين والجيش مهد الطريق لصراع مسلح بين المركز (الجيش) والهامش (الدعم السريع). من ثمّ، يمكن القول إن غياب الدولة المدنية وتفعيل مؤسسات القانون يجعل أي دولة عرضة لتكرار ما حدث في السودان وغيرها من الدول التي انهارت فيها مؤسسات الحكم. الخلاصة: ما يعانيه السودان اليوم هو نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية، وتحالفات وأجندات داخلية وخارجية، وغياب منظومة عادلة لتوزيع السلطة والثروة. وفي غياب دولة مدنية حقيقية، يظل احتمال تكرار هذه المآسي وارداً لأي مجتمع تعصف به عوامل مماثلة..

مقالات ذات صلة

إغلاق