Uncategorized
فاتورة الظلام: هيكلة دعم الكهرباء كمدخل للعدالة التنموية وإعادة الإعمار في السودان بقلم الدكتور محمد عوض محمد

فاتورة الظلام: هيكلة دعم الكهرباء كمدخل للعدالة التنموية وإعادة الإعمار في السودان
بقلم الدكتور محمد عوض محمد
الملخص التنفيذي :
نحو عقد اجتماعي جديد للطاقة في السودان
يواجه قطاع الكهرباء في السودان تحدياً مزدوجاً يتمثل في فجوة تمويلية هائلة (تكلفة حقيقية 665 جنيهاً مقابل سعر بيع 50 جنيهاً) ودمار إنشائي واسع خلفته حرب ميليشيا الدعم السريع. يخلص هذا التحليل إلى أن نظام الدعم الحالي ليس إلا “ضريبة تضخمية خفية” يدفعها المواطن من قوته اليومي، بينما يُحرم منها سكان الأقاليم والمناطق غير المغطاة بالشبكة.
الرؤية المقترحة:
تتبنى هذه الورقة استراتيجية “الرفع التدريجي الموجه” للدعم، ليس كعبء مالي، بل كأداة لتحقيق العدالة التنموية وإعادة الإعمار. يرتكز التحول المقترح على تحويل الوفورات المالية نحو:
1. كهرباء القطاع الزراعي لخفض تكلفة الغذاء وزيادة الصادرات.
2. إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة لضمان استدامة الخدمة.
3. توسيع الشبكة القومية لتشمل المناطق المحرومة، إنهاءً لظاهرة “دعم الحضر بمدخرات الريف”.
إن إصلاح قطاع الكهرباء هو حجر الزاوية للانتقال من اقتصاد “إدارة الأزمات” إلى اقتصاد “الإنتاج والاستدامة”.
*المبحث الأول: التشريح الهيكلي لـ “التكلفة الخفية” واختلالات التوازن الكلي*
لا يمثل الفارق بين التكلفة التشغيلية وسعر البيع مجرد عجز محاسبي، بل هو “تشوه سعري” (Price Distortion) يضرب صميم الكفاءة الاقتصادية. سنقوم هنا بتحليل هذا المبحث من خلال ثلاثة أبعاد منهجية:
1. آلية “التمويل بالعجز” والحلزون التضخمي (The Inflationary Spiral)
عندما تبيع الدولة الكيلوواط بـ 50 جنيهاً بينما تكلفته 665 جنيهاً، فإنها لا تغطي الفارق (615 جنيهاً) من فوائض ضريبية، بل تلجأ لما يُعرف بـ “النقد المطبوع” (Seigniorage) أو الاستدانة من البنك المركزي.
منظور علمي: يؤدي هذا الإجراء إلى نمو الكتلة النقدية (M2) بمعدل يفوق نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) الحقيقي.
الأثر: تنخفض القوة الشرائية للعملة، مما يعني أن الدولة تقتطع “ضريبة خفية” من مدخرات المواطنين. المواطن الذي يعتقد أنه يوفر ماله بدفع فاتورة رخيصة، يخسر أضعاف هذا التوفير عند شراء السلع الأساسية التي ارتفعت أسعارها نتيجة التضخم الناجم عن دعم الكهرباء نفسه.
2. نظرية “التحويلات العكسية” واللاعدالة التوزيعية
هنا تكمن المعضلة الأخلاقية والاقتصادية؛ فالدعم الحالي يطبق نموذجاً مشوهاً للعدالة الاجتماعية:
استنزاف الأطراف: المواطنون في الأرياف والمناطق التي دمرتها الحرب، والذين لا تصلهم الخدمة أصلاً، يتحملون “عبء التضخم” الناتج عن تمويل هذا الدعم.
الدعم التنازلي (Regressive Subsidy): من الناحية المنهجية، يستفيد أصحاب الدخول العالية (الذين يمتلكون أجهزة تكييف وأدوات كهربائية متعددة) من الدعم أكثر من الفقراء الذين يستهلكون الحد الأدنى. بالتالي، يتحول الدعم من أداة لمساعدة الفقراء إلى “منحة” للأغنياء والمستهلكين الكبار، يمولها الفقراء عبر تآكل قيمة مدخراتهم البسيطة.
3. تآكل الأصول الرأسمالية والارتهان للديون
إن حرمان قطاع الكهرباء من “التدفقات النقدية الحقيقية” يؤدي إلى عجز الشركات عن القيام بالصيانة الوقائية أو الاستثمار في التوسع.
النتيجة المنهجية: يتحول القطاع من قطاع منتج إلى “عبء مالي” (Fiscal Burden). ومع دمار الحرب الذي أصاب البنية التحتية، يصبح العجز عن تغطية التكلفة عائقاً أمام الاقتراض الدولي أو جذب الاستثمار الأجنبي، إذ لا يمكن لأي مؤسسة تمويلية دعم قطاع يبيع سلعة بـ 7% فقط من تكلفتها الحقيقية.
*المبحث الثاني: سوسيولوجيا واقتصاديات الدمار الممنهج (تحليل آثار الحرب)*
إن ما تعرض له قطاع الكهرباء على يد ميليشيا الدعم السريع ليس مجرد ضرر عرضي، بل هو “تخريب هيكلي للأصول الاستراتيجية” يهدف إلى ضرب أسس الدولة. ويمكن تحليل آثاره اقتصادياً من خلال:
انكسار وفورات الحجم (Diseconomies of Scale):
من المعروف اقتصادياً أن قطاع الكهرباء يعتمد على “الاحتكار الطبيعي” وتدني التكلفة المتوسطة مع زيادة الإنتاج. تدمير محطات الربط والتحويل أدى إلى تفتيت الشبكة القومية، مما أجبر الدولة على الاعتماد على توليد “جزئي” عالي التكلفة. فنياً، ارتفعت التكلفة الحدية (MC) لإنتاج الكيلوواط الواحد لأن المصاريف الإدارية والتشغيلية الثابتة باتت تُوزع على كمية إنتاج أقل بكثير، مما جعل الفجوة السعرية (615 جنيهاً) تتسع بشكل دراماتيكي.
ضياع الفرص البديلة للربط القاري:
كان السودان مهيأً ليكون “محوراً طاقوياً” (Energy Hub) يربط بين فائض الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا والشبكة المصرية الفائضة. الدمار الذي طال خطوط النقل الاستراتيجية لم يحرمنا من الطاقة الرخيصة فحسب، بل أفقدنا عائدات “ترانزيت الطاقة” بالعملة الصعبة، وهي موارد كانت كفيلة بتمويل صيانة الشبكة الداخلية دون اللجوء لجيب المواطن.
*المبحث الثالث: الهيكلة السعرية كأداة للتعافي (التحليل الاقتصادي للتحرير الموجه)*
إن رفع الدعم في المنهجية العلمية التي نطرحها ليس “جباية” بل هو “إعادة تخصيص للموارد النادرة”:
الاستدامة المالية ومبدأ “المستفيد يدفع”:
النموذج الحالي القائم على اعتماد القطاع على الخزانة العامة المرهقة أدى إلى “توقف النمو”. الاستدامة المالية تعني تحويل قطاع الكهرباء إلى قطاع “ذاتي التمويل” (Self-Sustaining)، حيث تغطي الإيرادات تكلفة التشغيل والصيانة (O&M) مضافاً إليها هامش لتمويل التوسعات المستقبلية، مما يرفع العبء عن كاهل الموازنة العامة بنسبة تقدر بـ 18-22% من إجمالي العجز الجاري.
هيكلة الحوافز لجذب الاستثمارات:
في ظل الأسعار المدعومة، يواجه القطاع الخاص ما يسمى بـ “المنافسة غير العادلة” مع السلع المدعومة حكومياً. إن الوصول إلى “السعر العادل” هو الضمانة الوحيدة لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية بنظام (IPP) أو (PPP). المستثمر يبحث عن “معدل عائد داخلي” (IRR) واضح، وهو ما لا يتوفر في ظل السعر الحالي (50 جنيهاً) الذي لا يغطي حتى تكلفة زيوت التزييت للمحطات.
العدالة التنموية وتوسيع المظلة:
كل جنيه يذهب لدعم مستهلك في الخرطوم هو جنيه “يُسرق” من ميزانية مد خط كهرباء لقرية في دارفور أو كردفان أو الشمالية. رفع الدعم يسمح بتمويل “صندوق التنمية الريفية والكهرباء الشاملة”، مما يحقق التوازن الإنتاجي ويقلل من الهجرة من الريف إلى المدن.
*المبحث الرابع: هندسة الإنتاج الزراعي عبر الطاقة المستقرة*
يمثل هذا المحور قلب “النهضة الاقتصادية” المنشودة، حيث تتحول الكهرباء من “سلعة استهلاكية” إلى “رأسمال إنتاجي”:
1. خارطة تكاليف الري والميزة التنافسية:
تشير الدراسات الميدانية إلى أن تحول المشاريع المروية من “الديزل” إلى “الشبكة القومية” يؤدي لخفض تكلفة التشغيل المباشرة بنسبة تصل إلى 50%. هذا الخفض يقلل من “سعر التعادل” للمحاصيل الاستراتيجية، مما يجعل الصادرات السودانية (مثل القطن والصمغ والحبوب) قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية التي تفرض معايير سعرية صارمة.
2. الثورة الصناعية الزراعية (Agro-Industry):
غياب الكهرباء المستقرة جعل السودان “مصدراً للمواد الخام” فقط. استقرار الطاقة هو المدخل الوحيد لإنشاء “مناطق تصنيع زراعي” في مواقع الإنتاج. هذا التحول سيعمل على:
* زيادة القيمة المضافة (Value Added) للمنتجات المحلية.
* خلق آلاف فرص العمل للشباب في الولايات.
* تقليل الاعتماد على استيراد السلع المصنعة (مثل الزيوت والألبان المجففة).
3. الأمن الغذائي وسلسلة التبريد المتكاملة:
يفقد السودان سنوياً ما بين 30-40% من محاصيل الخضر والفاكهة بسبب “الهالك” الناتج عن غياب التبريد. توفير تيار مستقر يعني بناء “صوامع ومخازن مبردة”، مما يطيل عمر الرف للمنتجات ويضمن توازناً في العرض والطلب،
*التوصيات الاستراتيجية*
*أولاً: السياسات المالية والنقدية وتصحيح التشوهات:*
1. التحول الفوري من دعم “السلعة” إلى دعم “المستهلك المستحق” عبر آليات الدعم النقدي المباشر.
2. تخصيص كامل وفورات رفع الدعم لخفض العجز الموازني كإجراء استباقي لكبح التضخم.
3. إنشاء “صندوق طوارئ إعمار الطاقة” يُغذى من فروق الأسعار المحصلة من الفئات غير المستحقة للدعم.
4. إلغاء كافة الرسوم الجمركية والضرائب على تقنيات الطاقة الشمسية والرياح لمدة عقد كامل.
5. تطبيق “تعرفة الذروة” لتشجيع المصانع على العمل في فترات انخفاض الأحمال.
6. منح ائتمانات ضريبية للمؤسسات التي تنجح في خفض استهلاكها السنوي بنسبة 20%.
7. إجراء مقاصة شاملة لديون مؤسسات الدولة تجاه شركات الكهرباء لتعزيز ملاءتها المالية.
*ثانياً: إعادة الإعمار والتطوير التقني والإنتاجي:*
8. إعطاء الأولوية في ميزانية الإعمار للمحطات التحويلية التي تربط مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني.
9. البدء فوراً في مشروع “كهربة المشاريع الزراعية القومية” لتقليل كلفة سلة الغذاء.
10. التحول نحو “الشبكات الذكية” (Smart Grids) لتقليل الفاقد الفني والإداري.
11. دمج التوليد المائي المصغر في مشاريع حصاد المياه بالمناطق الريفية.
12. تسريع وتيرة الربط الكهربائي الإقليمي لضمان استقرار الشبكة وتبادل الفوائض.
13. تشجيع الشراكات لتوطين صناعة العدادات الذكية والكوابل محلياً.
*ثالثاً: التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية:*
14. استقطاع نسبة ثابتة من مبيعات الكهرباء لتمويل “برنامج كهرِبة الريف” في المناطق غير المغطاة.
15. توفير قروض ميسرة للمنتجين الصغار لاقتناء وحدات الطاقة الشمسية.
16. إنشاء شبكة مخازن مبردة تعمل بالطاقة المستقلة في مراكز الإنتاج بالولايات.
17. تفعيل عقود (BOT) للسماح للقطاع الخاص ببناء وتشغيل محطات الطاقة المتجددة.
18. إطلاق مبادرة وطنية لاستبدال الأجهزة المنزلية عالية الاستهلاك بأخرى موفرة.
19. اعتماد نظام “الشرائح التصاعدية” لضمان وصول الكهرباء للفقراء بأسعار رمزية.
20. إلزام المجمعات السكنية والتجارية الجديدة بتوفير 25% من احتياجها عبر الطاقة الشمسية.
*رابعاً: الحوكمة والإصلاح المؤسسي:*
21. الفصل التام بين المنظم (الدولة) والمشغل (الشركات) لضمان الشفافية والمنافسة.
22. تفعيل دور “جهاز تنظيم الرقابة على الكهرباء” لحماية المستهلك من تغول الخدمة.
23. ربط خطط التوسع في الطاقة بالخارطة الاستثمارية لكل ولاية وميزاتها التفضيلية.
24. إنشاء مرصد وطني لمتابعة تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار المموّلة من فروق الدعم.
25. إدارة حملة وطنية شاملة لتوضيح العلاقة بين “رخص الكهرباء” و”ارتفاع التضخم” للمواطن.
26. ربط تجديد تراخيص المنشآت الصناعية الكبرى بمدى الالتزام بمعايير كفاءة الطاقة.
27. وضع بروتوكولات حماية أمنية مشددة للمنشآت الكهربائية الحيوية لمنع التخريب مستقبلاً.ويحمي المزارع من الانهيار السعري وقت الحصاد والمستهلك من الغلاء وقت الندرة.
الخاتمة: من اقتصاد “إدارة العجز” إلى آفاق “التنمية المستدامة”
إن إصلاح قطاع الكهرباء في السودان لم يعد مجرد مسألة “توازن مالي” أو “إجراء تقني” تنظمه الجداول الحسابية؛ بل هو في جوهره “ضرورة وجودية” وقرار سيادي يمس صلب الأمن القومي الاقتصادي. إن بقاء الدولة في شرنقة “الدعم الاستهلاكي المشوه” هو استنزاف لمنظومة القيمة الاقتصادية، حيث يتم حرق الأصول الرأسمالية لتمويل استهلاك جارٍ، في الوقت الذي تئن فيه أطراف البلاد تحت وطأة التهميش الطاقوي والظلام التنموي.
إن التحليل المنهجي المتقدم الذي طرحناه يثبت بالدليل القاطع أن “فاتورة الظلام” التي يدفعها السودانيون اليوم نتيجة التضخم المفرط وتآكل البنية التحتية جراء اعتداءات ميليشيا الدعم السريع، هي أضعاف التكلفة التي قد تنتج عن رفع الدعم الممنهج. إن الانتقال نحو “السعر العادل” المقترن بالشفافية المطلقة والعدالة التوزيعية يمثل “العقد الاجتماعي الجديد” بين الدولة والمواطن؛ عقدٌ يقايض الدعم الوهمي بخدمة مستقرة، وتغطية شاملة، وإنتاجية زراعية وصناعية تنافسية.
إننا أمام فرصة تاريخية، رغم مرارة الحرب، لإعادة بناء قطاع الطاقة على أسس علمية حديثة، تبدأ بوقف “النزيف النقدي” وتنتهي بكهرِبة كامل الريف السوداني ومناطق الإنتاج. إن الجرأة في اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي هي الكفيلة بتحويل الكهرباء من “عبء على الموازنة” إلى “قاطرة للنمو”، تنقل السودان من حقبة “إدارة الأزمات” المظلمة إلى فضاءات “التنمية المستدامة” المشرقة، ليعود السودان سلةً لغذاء العالم، ومنارةً للطاقة في القارة الأفريقية.
”إن الضوء الذي ننشده في نهاية النفق لا يأتي بالانتظار، بل بالعمل على إصلاح المحرك الذي يضيء النفق نفسه.”

