Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني الزمن كان مبتسم …والليالي جميلة حالمة!

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

الزمن كان مبتسم …والليالي جميلة حالمة!

هذه الأغنية ليست مجرد نص غنائي، بل اعتراف طويل كتبه إسحاق الحلنقي بمداد الفقد، ثم جاء صلاح مصطفى فحوّله إلى حالة شعورية كاملة، تُسمَع بالقلب قبل الأذن.
(مشي أمرك يا قدر) عمل يقف في المنطقة الرمادية بين الرضا والانكسار، بين التسليم والاحتجاج الصامت، حيث لا صراخ ولا اتهام، بل حزن نبيل يعرف أن القدر لا يُهزم… لكنه يُبكى

بلاغة الحلنقي هنا ليست في الزخرفة اللفظية، بل في الصدق العاري، يبدأ بنداء مباشر للقدر، لا بلغة الغضب، وإنما بلغة المُتعب الذي أدرك أن المقاومة لم تعد مجدية: (إنت أحكامك مطاعة) جملة قصيرة، لكنها تُسقط كل وهم السيطرة البشرية، ثم يبني الشاعر عالمًا كاملًا من الذكريات، لا يستعرضها استعراضًا، بل يلمسها لمسة خفيفة: (لمسة الذكرى المعاي تبقى زاد روحي ومتاعا)، وكأن الذكرى تحولت من حنين إلى مؤونة روحية، يعيش بها من بقي بعد الفراق

الحلنقي بارع في التحولات الزمنية داخل النص، ينقلك بسلاسة من زمن الصفاء إلى زمن الانكسار دون صدمات لفظية، الأيام كانت (حلوة، ريانة، مسالمة)، ثم فجأة ودون إنذار يطل الفراق كضيف ثقيل لا يستأذن، هذا (الفجأة) ،هي مفتاح النص كله: الحياة لا تُعلن نواياها، والخذلان لا يطرق الباب، ومن هنا تتكثف الصورة البلاغية حين تتحول الليالي الطيبة إلى حزينة، ويُرسم الظل في جبين الأيام، لا على الجدران، وكأن الزمن نفسه صار أسيرًا للآهات

أما اللحن الذي صاغه صلاح مصطفى، فهو لحن يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، لونية العمل تميل إلى الشجن الهادئ، بلا استعراض موسيقي، بلا قفزات لحنية حادة، اللحن يسير بخط مستقيم يشبه سيرة الحياة بعد الفقد: لا مفاجآت، فقط ثقل مستمر، المقام المختار يخدم النص لا يتسلط عليه، ويمنح الكلمات مساحة لتتنفس، ويترك للسكوت بين الجمل دورًا لا يقل أهمية عن الجمل نفسها

صوت صلاح مصطفى هنا هو البطل الخفي، ليس صوتًا يستدر العاطفة بالقوة، بل صوت ينساب كحزن ناضج، لا بكاء فيه، ولا انكسار مفتعل، أداؤه يتكئ على الإحساس لا على التطريب، وعلى الصدق لا على الزخرفة، حين يقول: (كنت أبكي عليك بعمري، الدموع بس ما بتفيد)، لا يرفع صوته، لأنه يعرف أن بعض الجراح لا تحتاج علوًا، بل تحتاج هدوءًا موجعًا، صوته يحمل ملامح التجربة، كأنه لا يغني قصة غيره، بل يروي شيئًا مرّ به أو مرّ بقلبه
إني من منصتي استمع …ثم أقول أن في هذه الأغنية: تتكامل العناصر الثلاثة، نص يعرف ماذا يقول، ولحن يعرف كيف يحتضنه، وصوت يعرف متى ينسحب ليترك للألم حقه الكامل، لذلك بقيت مشي أمرك يا قدر حيّة، لا تشيخ، ولا تفقد تأثيرها، لأنها لا تنتمي لزمن معين، بل لكل إنسان وقف يومًا أمام خسارة أكبر من قدرته على الفهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق