Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني لا بنساك ولابقدر …بعد حبك أحب تاني !!

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
لا بنساك ولابقدر …بعد حبك أحب تاني !!
أغنية (حنيني إليك) تنتمي إلى ذلك النمط النادر من الغناء الذي لا يكتفي بسرد الشوق، بل يحوّله إلى حالة وجودية كاملة، النص الذي كتبه السر أحمد قدور يقوم على مفردة واحدة تتكرر لكنها لا تُستهلَك: الحنين، غير أن الحنين هنا ليس مجرد عاطفة رومانسية عابرة، بل طاقة ضاغطة، تتكثف منذ المطلع: ( حنيني إليك وليل الغربة أضناني)، الجملة تنفتح على ثنائية شديدة البلاغة: الحبيب في مقابل الغربة، والحنين في مواجهة الليل، الليل ليس زمناً فقط، بل ثِقلٌ نفسي، والغربة ليست مكاناً بل حالة اختناق داخلي، لذلك يأتي الفعل (أضناني) ليمنح المعنى بعده الجسدي، وكأن الشوق مرض مزمن ينهك الجسد والروح معاً
بلاغة النص تتجلى في اعتماده على الصورة الشعورية لا الصورة الوصفية، (وطيف ذكراك بدمع القلب بكاني) صورة مركبة وعميقة، البكاء هنا لا يصدر من العين بل من القلب، في انزياح لغوي يرفع الحزن من مستوى الانفعال إلى مستوى الجوهر، القلب لا يبكي عادة، لكنه في هذا النص يتحول إلى عين داخلية، ترى الذكرى وتذرف الدمع، هذا النوع من المجاز يمنح الكلمات كثافة وجدانية عالية، ويجعل المتلقي شريكاً في التجربة لا مجرد مستمع،
يتقدم النص عبر تكرار محسوب لا يُمل، بل يعمّق الإحساس بالدوران في فلك الذكرى (اقول يا ريت زماني الفات يعود تاني) ليست أمنية زمنية فقط، بل رفض ضمني للحاضر، وهروب واعٍ إلى الماضي بوصفه المساحة الوحيدة الآمنة، هنا تتقاطع الرغبة مع العجز، فالتمني يعلم استحالة العودة، لكنه يُصرّ عليها، وهذا ما يمنح العبارة صدقها الإنساني، اللغة العامية المستخدمة لا تُضعف النص، بل تمنحه طزاجته ودفئه، وتجعله قريباً من القلب دون أن يفقد عمقه
اللحن الذي وضعه محمد ميرغني جاء خادماً للنص لا متسلطاً عليه، لحن هادئ في بنيته، متدرج في صعوده، يعتمد على الجملة الطويلة التي تتيح للكلمة أن تتنفس، وتمنح المعنى زمنه الكافي ليترسخ، لا توجد قفزات لحنية حادة أو استعراض تقني زائد، بل ميل واضح إلى الانسياب، وكأن اللحن نفسه يعاني من الحنين ويتحرك بثقل محسوب، التكرار اللحني في اللازمة يعكس حالة الدوران النفسي التي يعيشها النص، ويجعل المستمع يشعر وكأنه عالق في حلقة شوق لا تنتهي
أداء محمد ميرغني الصوتي هو أحد أعمدة جمال هذه الأغنية ،صوته يأتي مفعماً بالوقار، لا يستدر العاطفة بالصراخ ولا بالمبالغة، بل بالتحكم والدقة، يملك ميرغني قدرة واضحة على تطويع صوته ليخدم المعنى، فيخفض النبرة عند الحنين العميق، ويرفعها قليلاً عند التمني والنداء، دون أن ينفلت الإحساس، مخارج الحروف واضحة، واللفظ مشبع بالإحساس، حتى في المقاطع المكررة، لا يشعر المستمع بآلية أو فتور، بل بإصرار عاطفي ناضج،
الأداء هنا لا يمثل بكاءً مفتعلاً، بل حزن رجل يعرف وجعه جيداً ، هناك نبرة رضا مؤلم في الصوت، وكأن المغني تصالح مع فكرة الفقد، لكنه لم يتصالح مع غياب الحبيب، هذا التوازن بين القوة والانكسار هو ما يمنح أداء ميرغني خصوصيته، ويجعل الأغنية تعيش طويلاً في الذاكرة
إني من منصتي أستمع ….حيث أحس….أن هذا العسل ليس مجرد أغنية شوق، بل تجربة وجدانية متكاملة، التقت فيها كلمة صادقة، ولحن واعٍ، وصوت يعرف كيف يقول الألم دون أن يصرخ ، عمل فني راقٍ، يثبت أن البساطة حين تُصاغ بوعي وصدق، تكون أعمق أثراً من أكثر التعقيدات افتعالاً.




