Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني أريتك تبقي طيب …انا البي كلو هين

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
أريتك تبقي طيب …انا البي كلو هين !
لاشوفتن تبل الشوق ، هي حالة وجدانية مكتملة الأركان، تتداخل فيها اللغة واللحن والصوت لتشكّل تجربة نفسية عميقة، أقرب إلى الاعتراف الطويل الذي لا ينتظر جوابًا، كلمات محمد سعيد دفع الله تقوم على اقتصاد لغوي ذكي، مفردات قليلة، لكنها مشحونة بطاقة عاطفية عالية، تُبنى على مفارقة الشوق والخذلان، وعلى الإحساس بالمسافة لا بوصفها بُعدًا مكانيًا فقط، بل فراغًا نفسيًا ينهك الروح
من الناحية العلمية العاطفية، النص يعتمد على ما يمكن تسميته (التكرار الانفعالي) ، حيث تتكرر صور الانتظار، الغياب، والرسائل غير المرسلة، وهو أسلوب معروف في علم النفس العاطفي لتثبيت الإحساس بالفقد، عبارة مثل لا شوفتن تبل الشوق ولا ردا يطمن تختصر حالة القلق العاطفي المزمن؛ الشوق هنا ليس شعورًا رومانسيًا ناعمًا، بل حالة جفاف داخلي تحتاج إلى (تَلْيُّن ) ! ، إلى إشارة صغيرة تعيد التوازن العصبي للقلب ، حتى الرجاء يبدو هشًا، مشروطًا، ومتعبًا
اللغة العامية في النص تعبر عن ضرورة تعبيرية، اللهجة هنا أقرب إلى جهاز عصبي مفتوح، تنقل الانفعال بلا فلترة، بلا زخرفة زائدة، الصور الشعرية بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في بنيتها: السحاب الذي لا يمطر، الروض الذي صار خرابًا، الليل الطويل بلا قمر ولا نجوم، هذه الصور، وفق التحليل النفسي الرمزي، تشير إلى انسداد الأفق العاطفي وفقدان الأمل المؤقت، لا إلى اليأس النهائي. فالشخصية الغنائية لا تزال تنتظر والانتظار نفسه فعل مقاومة
ثم يأتي صوت النعام آدم، وهو العنصر الذي يحوّل النص من حزن مكتوب إلى وجع مسموع، صوته يحمل خامة ناعمة دافئة في آنٍ واحد، وهي خامة نادرة تُصنّف سمعيًا بأنها محفّزة للتعاطف العاطفي، النعام لا يغني الكلمات، بل يسكنها، تمديده للمقاطع، وانكساره الخفيف في نهايات الجُمل، يشبه تمامًا طريقة الإنسان حين يتحدث وهو يحاول ألا يبكي، هذا الانكسار الصوتي ليس ضعفًا ، بل قوة تعبيرية، لأنه يُفعّل لدى المستمع ما يُعرف بالاستجابة الوجدانية المتعاطفة
اللحن يخدم النص بذكاء لا يزاحمه ولا يتفاخر عليه، هو لحن دائري، يعود إلى نفسه، كما يعود الشوق دائمًا إلى النقطة ذاتها، لا قفزات لحنية حادة، بل انسياب حزين، يوحي بأن الزمن في الأغنية متباطئ، وأن الليل فعلًا …طويل طولا يجنّن ، هذه البنية اللحنية تُشبه في علم الموسيقى ما يُعرف بالمناطق العاطفية المستقرة، حيث لا يبحث السامع عن ذروة، بل عن صدق
الأغنية في مجملها تشتغل على فكرة الرسالة التي لم تصل ، الشاعر يكتب، يغني، يوصي الطير، يحمّل الطبيعة كلها عبء الكلام، وكأن الصوت الإنساني وحده لم يعد كافيًا، وهذا جوهرها الإنساني العميق: حين يعجز الإنسان عن الوصول لمن يحب، يبدأ في تحويل حزنه إلى فن، لا ليشفى، بل ليبقى متماسكًا
إني من منصتي استمع …ثم أقول ؛ لا شوفتن تبل الشوق ليست أغنية حزن، بل وثيقة شعورية عن الانتظار، عن الحب الذي لا يُغلق بابه حتى وهو موجوع، أغنية تثبت أن بعض الأصوات لا تُطربك، بل تُشبهك… ولذلك تؤلمك بهذا الجمال.