Uncategorized

من أعلى المنصة ياسر الفادني انتِ الحنان والضُل!

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

انتِ الحنان والضُل!

هذه الأغنية لا تُسمَع فقط، بل تُعاش، (يا حبيبتي يا أمي) عمل يتجاوز كونه غناءً ليصير حالة وجدانية كاملة، كأن المستمع يعود طفلاً في حضرة الدعاء الأول واليد التي لا تخذل، كلمات ذو النون بشرى هنا لا تتكئ على الزخرف، بل على الصدق الخالص، لغة بسيطة، لكنها مشبعة بعاطفة كثيفة، تُراكم أثرها سطراً بعد سطر حتى تبلغ ذروة الحنين، اختيار مفردات مثل (أغلى من دمي) و(واحة في دربي) !، صور تنبثق من تجربة إنسانية مشتركة، تجعل الأم مركز الكون الأخلاقي والروحي، وملاذ التعب، وبوصلة الطريق

بلاغة النص تكمن في هدوئها لا صراخ ولا ادّعاء، بل نبرة اعتراف خفيض، أقرب إلى المناجاة، التكرار في اللازمة (يا حبيبتي يا أمي) ليس تكراراً موسيقياً فحسب، بل تثبيت عاطفي، كأن الشاعر يخشى أن يفلت الاسم من القلب فيعيد الإمساك به مرة بعد مرة، الدعاء في المقاطع الأخيرة يفتح النص على أفق سماوي، فيتحول الحنين إلى حب، والامتنان إلى رجاء، فتكتمل الدائرة بين الأرض والسماء

اللحن الذي وضعه حمد البابلي جاء وفياً لهذه الروح، لحن دافئ، متدرّج، لا يستعرض قدرته بقدر ما يحتضن الكلمة، موسيقاه تمشي على مهل، تفسح المجال للعبارة أن تتنفس، وتترك فراغات صامتة محسوبة، هي في حقيقتها مساحات شعورية يملؤها المستمع بذكرياته الخاصة، اللازمة اللحنية تعود كنبض ثابت، تمنح الأغنية تماسكها، وتخلق ما يشبه السيمفونية الصغيرة القائمة على البساطة والاتساق، لا على التعقيد

صوت حمد البابلي،  أضاف للأغنية ما لا يُكتب في النوتة،! صوته ليس قوياً بالمعنى التقني فحسب ، لكنه غني بالإحساس، فيه نعومة تشبه صدق الاعتراف، ودفء يجعل الكلمات تبدو كأنها خارجة من صدر المستمع نفسه، أداؤه يخلو من الزخارف الزائدة، يلتزم بالخط العاطفي للنص، فيمنحه مصداقية عالية ، لا يغني للأم كفكرة، بل كحضور حي، كوجه، كدعاء محفوظ عن ظهر قلب

في وجدان المستمع السوداني، تقع هذه الأغنية في منطقة شديدة الخصوصية، (جوا خالص)!! فهي تلامس قيمة الأم بوصفها عمود البيت وذاكرة الأسرة وملجأ الروح، وتستدعي ثقافة كاملة ترى في رضاها باباً مفتوحاً للبركة ، لذلك تُسمَع الأغنية في لحظات الفقد كما في لحظات الشوق، وتبقى صالحة لكل الأزمنة، لأنها لا ترتبط بحدث، بل بعاطفة لا تشيخ،
هنا تتلاقى الكلمة الصادقة مع اللحن الحنون والصوت الأمين، في عمل ينجح في أن يكون بسيطاً وعميقاً في آن واحد

إني من منصتي أنصت…. ثم  أقول…أن دفق  (يا حبيبتي يا أمي) ليس أغنية تُضاف إلى الرصيد الغنائي فحسب، بل قطعة من الذاكرة العاطفية السودانية، تُذكّرنا أن الفن، حين يكون صادقاً، لا يحتاج إلا قلباً مفتوحاً ليصل.

مقالات ذات صلة

إغلاق