Uncategorized

من أعلى المنصة ياسر الفادني البومة كان وَقَعَتْ كَتِّروا البَتَابِت!

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

البومة كان وَقَعَتْ كَتِّروا البَتَابِت!

ليس كل سقوطٍ يُبكَى عليه، وليس كل واقعٍ جديرٌ بالتعاطف، فالمثل السوداني الحكيم يقول: (التور كان وقع كترت البتابت عيب)، ويُضرب للبطل حينما تحيط به سهام الطغاة فيُخذل أو يُغدر به، لكن هذا المثل لا يُمنح لمن عاش على الخراب، ولا يُقال في حق من ارتضع من ثدي الفتنة، ولا يُرفع رايةً لمن سقط بعد أن أثقل كاهل البلاد بالدم والرماد، حين تسقط قيادة من قيادات المليشيا، أو تُحاصر في فخ القوات المسلحة، فذلك ليس (توراً) وقع، بل بومة قبيحة دقّت الدلجة من علٍ، فجاء سقوطها مدوّياً، كاشفاً قبحها المستتر خلف المال والسلاح

تتواتر الأنباء عن قيادات قبلية تبحث عن طريقٍ لتسليم نفسها بعد أن نضب معين المال، وتوقّف (البلف) الذي كان يكبّ كَبّاً، ومع كل قبضةٍ يعلو الزهو، وتنتفخ الأوداج، وتُستدعى العزة بالإثم، ويُطلق الوعد الكاذب بطيّ الخرطوم في خمس دقائق، اليوم حين جفّ المنبع، وتكسّرت الأوهام، انكشفت الحقيقة العارية: هؤلاء الذين ادّعوا القيادة المجتمعية في دارفور لم تكن لهم قاعدة، ولا كان لهم سند، بل كانوا ظلالاً منتفخة بالذهب، وأصواتاً عاليةً بالمال

في زمنٍ مضى، كان للناظر كلمة، وللشيخ قرار، فإذا قالوا التزم الناس، أمّا اليوم، فقد انقلب الميزان؛ من يملك المال يملك الأتباع، ومن يحوز الذهب يعلو صوته، ومن يشتري الذمم يُنصَّب زعيماً على أكتاف الخديعة، فجاءت هذه الحرب لتعرّي الزيف، وتفضح الادّعاء، وتكشف أن دارفور دفعت من دم شبابها ثمناً باهظاً لغشّ تلك القيادات المزعومة، التي ساقته إلى محرقة لا تبقي ولا تذر

لقد أدرك أهل دارفور، متأخرين ولكن بوعيٍ قاسٍ، أن هذه حرب إبادةٍ لشبابهم، تُدار من خلف الستار بأيدٍ محليةٍ مأجورة، وأن كل محاولات التجنيد باءت بالفشل، رغم إغراء الأربعة ملايين للرأس الواحد، فالدم الحرّ لا يُشترى، والكرامة لا تُباع، ومن باع نفسه لمال دويلة الشر، واتّسخت عمامته، وتعفّن شاله برائحة الخيانة، ولبس نعلات العمالة، فلن يجد له موطئ قدمٍ بين الناس، ولا حتى بين أهله

الذي يبتسم حين يرى دم الأبرياء، ويتفاخر بعدّ القتلى في جلساتٍ تحفّها الشياطين، قد وقّع شهادة خروجه من المجتمع، وحكم على نفسه بالعزلة الأبدية، فهذه أرضٌ تحفظ العهد، ولا تنسى الغدر، وتسامح في الزلل، لكنها لا تغفر الخيانة. ومن ظنّ أن المال يصنع له تاريخاً، فليتأمل مصير من سبقوه: أسماءٌ تلاشت، ووجوهٌ انطفأت، وأصواتٌ كانت تملأ الضجيج ثم صارت صدىً خافتاً في خواء الندم

إني من منصتي أنظر ….حيث أرى… أن الأمر بان وبقيت الحقيقة ساطعة: لا بطولة في السقوط حين يكون المرء شريكاً في الجريمة، ولا مجد في الهزيمة حين تكون طريقك مفروشة بالدم، البومة كان وقعت، كتروا البتابت… وليس في ذلك عيب، بل بعض عدلٍ تأخّر كثيراً.

مقالات ذات صلة

إغلاق