Uncategorized
من أعلى المنصة ياسر الفادني هل يُصلح جنرالُ الأنصار ما أفسده الدهر؟

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
هل يُصلح جنرالُ الأنصار ما أفسده الدهر؟
الآن اختلطت الرايات، وتبدّلت المواقف كما تتبدّل الريح في موسم الخيانة، خرج عبد الرحمن الصادق المهدي لا متردداً ولا متخفياً، بل واقفاً في قلب النار، داخل معركة الكرامة، حيث تُكتب المواقف بالدم لا بالحبر، وتُوزن الرجال بصلابة الظهر لا بطول اللسان
هناك في خنادق القوات المسلحة، حسم خياره مبكراً، وسجّل اسمه في دفاتر التاريخ، لا في دفاتر التبرير
اختار أن يركب سفينة الكرامة، بينما بعض اخواته و آخرون ركبوا قوارب الطرورة، وتدثروا بعباءات الحياد الكاذب، ذلك الحياد الذي لا يملك شجاعة المواجهة ولا نزاهة الانسحاب، حيادٌ يبتسم للجنجويد من تحت الشال، ويصفق لهم تصفيقاً خجولاً بيدٍ مرتعشة وقلبٍ مأجور، هو ليس كابن العم ذي الرأس الفارغ والعمامة البيضاء، ولا كمن نكث قسمه العسكري واصابه الزهايمر السياسي ، وبدّل شرف السلاح بمقاعد العمالة، واعتلى ظهر الخيانة حين ظن أن الموجة لن تنكسر
حزب الأمة الذي كان ذات يومٍ ضمير السياسة السودانية، صار اليوم جثةً تتقاذفها تيارات السوق السياسي، يتكئ على من يدفع أكثر، ويهادن من ينهب أكثر، ويسكت عمّن يقتل أكثر،بعض عناصره تماهت مع حكومات الجنجويد الوهمية في الولايات المستباحة، جلست على موائد الدم، وشربت نخب الخراب، وكانت ولاية الجزيرة شاهدةً لا تُكذّب. سقط القناع، وانفضح المستور، وبات الحزب أسيراً لابتزاز المال، ورهينة لصفقات العار
في هذا الخراب العام، يبرز عبد الرحمن الصادق المهدي كنقطة ضوء في نفقٍ معتم، افقه السياسي متسع، وقراره متزن، وخطابه متماسك لا يتكئ على الصراخ ولا يقتات على الفوضى، رجلٌ يريد أن يجمع لا أن يفرّق، أن يصلح لا أن يحرّض، أن يبني لا أن يهدم، جلست إليه في ليلةٍ طويلة ذات مرة بصحبة الدكتور عادل عبد الغني، استمعت أكثر مما تحدثت، وراقبت أكثر مما سألت، فوجدت رجلاً يحمل مشروع دولة، لا نشرة مواقف عابرة، يفكر بعقل رجل الدولة، لا بعقل ناشط منصة
تمرّ عليه تياراتٌ عنيفة من داخل البيت الكبير وخارجه، رياح عائلية، وضغوط حزبية، وابتزازات سياسية، لكنه يعبرها بهدوء من يعرف إلى أين يسير ، داعمٌ صريح لمؤسسات الدولة الشرعية، فاضحٌ لمليشيا آل دقلو ولا يساوم، ولا يختبئ خلف ضباب اللغة، له طريقته ومنهجه في الاشتباك مع هذا الواقع المعقّد، لكن طريقه محفوف بالأشواك، خصوصاً حين يصطدم بجدار الكتلة الديمقراطية، تلك الكتلة التي تتفق دائماً على الاختلاف، وتجتمع على التنافر، وتتوحّد فقط حين تريد إفشال أي مشروع إصلاحي حقيقي
قبل أن يقود معركة الإصلاح الكبرى، عليه أن يخوض حرب الترميم داخل حزبه أولاً، أن ينزع عنه (الحسكنيت) السياسي الذي علق به حتى صار أضحوكة، أن يغسل وجهه من طين الخيانة الذي لطخه يوم هرول بعض قادته إلى يوغندا، وارتجفوا أمام الكاميرات، ولبسوا ثوب الانكسار والعار، يوم انكشف الحزب عارياً إلا من خطاياه
الجنرال لن يُستقبل بالورود، بل بالسهام، سيواجه هجوماً شرساً من أقرب الناس إليه قبل أبعدهم، ستُزرع أمامه الألغام، وتُنسج حوله المؤامرات، وتُرفع في وجهه رايات التخوين والتشكيك، الداخل لن يرحمه، والخارج لن ينتظره، والميدان لا يعترف إلا بالثبات
إني من منصتي أري ….حيث أسأل …. هل يملك عبد الرحمن الصادق المهدي مشروعاً وطنيا فاعلا؟ ، بل: هل يملك من الصبر ما يكفي لحمل هذا المشروع السياسي الثقيل حتى آخر الطريق؟ هل يصمد أمام العاصفة؟، أم تفتُر العزيمة حين يشتد الضغط؟
المستقبل القريب وحده كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن الرجل وضع قدمه في الطريق الأصعب، ومن اختار درب الأشواك، لا يحق له أن يشتكي نزف القدمين.



