Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني السَبْكَة الاستخباراتية الإيرانية ….شمّ المكوّنات !

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
السَبْكَة الاستخباراتية الإيرانية ….شمّ المكوّنات !
الضربة الإيرانية الأخيرة مجرّد عملية مركّبة، محسوبة بالساعة والدقيقة، نُسجت خيوطها في غرف استخبارات عميقة، قبل أن تُترجم إلى مسارات نارية في السماء ، إيران لم تطلق صواريخها لتُصيب فقط، بل لتقول: نحن هنا، ونعرف أين نضرب، ومتى، وكيف.
في الحسابات العسكرية الباردة، أصابت الصواريخ الباليستية الإيرانية أهدافها بدقة تتجاوز الدعاية الإعلامية. صور الأقمار الصناعية، وتسرّبات التقييمات الغربية، وردود الفعل المرتبكة في غرف القرار المقابلة، تؤكد أن الضربات بها تم اختيار الأهداف بعناية: قواعد حساسة، منشآت استخباراتية، نقاط رادار، ومراكز قيادة وسيطرة، الرسالة لم تكن تدميرية بقدر ما كانت اختراقية: كسر وهم الحصانة، وتعطيل منظومات الإنذار المبكر، وإثبات أن العمق لم يعد آمناً
اللافت أن طهران لم تستخدم كامل ترسانتها، بل قدّمت عينة مدروسة من قوتها، كمن يفتح نافذة صغيرة ليُريك العاصفة القادمة
نوعية الصواريخ، مساراتها المتعرجة، توقيت الإطلاق، والتزامن بين الضربات، كلها تشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق الاستخباراتي، وإلى بنك أهداف تم تحديثه لحظة بلحظة ، هذه حرب حرب عقول قبل أن تكون حرب نار.
إيران أرادت أن تختبر منظومات الدفاع، أن تقيس زمن الاستجابة، أن تسجّل نقاط الضعف، وأن تحفظ البيانات لجولة أكبر، لذلك جاءت الضربة محكومة بسقف تصعيد محسوب: لا تشعل حرباً شاملة، لكنها تخلخل توازن الردع، وتُربك الحسابات، وتعيد رسم خطوط الاشتباك
أما المستقبل، فليس ذاهباً إلى انفجار كلي، ولا إلى تهدئة حقيقية، نحن أمام مرحلة (الاحتكاك الذكي): ضربات محدودة، رسائل نارية، حروب ظل، وعمليات استخباراتية متبادلة إيران ستُراكم الضغط تدريجياً، مستندة إلى شبكة حلفائها، وإلى تفوقها في حرب الاستنزاف الطويل، والخصم، مهما امتلك من تفوق جوي وتكنولوجي، سيجد نفسه في معركة أعصاب أكثر منها معركة جيوش
المعادلة الجديدة تقول إن زمن الضرب دون رد انتهى، وإن السماء لم تعد حكراً على أحد. لقد انتقلت إيران من موقع الدفاع الاستراتيجي إلى الهجوم المحسوب، ومن سياسة الصبر الطويل إلى سياسة الصدمة القصيرة، لكنها صدمة كافية لتغيير قواعد اللعبة
إني من منصتي أنظر ….حيث أرى….. أن هذه الحرب هي حرب وعي، ورسائل قوة، وتفكيك للأساطير العسكرية. وفي الحروب الكبرى، لا ينتصر من يطلق أكثر، بل من يعرف متى يُطلق، وأين، ولماذا. وإيران، في هذه الجولة، أثبتت أنها تعرف جيداً.


