Uncategorized
من أعلى المنصة ياسر الفادني اسكت يا عَرَور !

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
اسكت يا عَرَور !
بعض الكلمات حين تُقال في لحظة غضب تؤثر، وبعضها يتحول إلى علامة ظاهرة تكشف ما في داخل صاحبها أكثر مما تصف من وُجِّهت إليه. وكلمة (عرور) التي ظل يطلقها عبد الرحيم دقلو في مجالسه الأخيرة أصبحت أقرب إلى عنوان لطريقة إدارة كاملة تقوم على الضيق والتهكم وقلة الاحتمال
نحن في السودان نستعمل كلمة عرور لوصف الشخص الطائش خفيف العقل، الذي يتكلم بلا روية ولا يملك رأياً ثابتاً. وهي في أصلها اللغوي قريبة من الجذر العربي (عَرَّ) الذي يدل على الخفة والاضطراب، ويُقال في اللغة: عَرَّ الرجل إذا أكثر الكلام بغير حكمة، أو أتى بأمر مضطرب لا وزن له ولهذا صار وصف عرور عند الناس يطلق على من يكثر اللغط ويقلّ فعله، أو من يدخل في زمرة أصحاب الكلام (الخارم بارم) الذين يملؤون المجالس ضجيجاً ولا يضيفون لها شيئاً
لكن اللافت أن هذه المفردة أصبحت الكلمة المفضلة عند الرجل، يأتيه قائد من الميدان يحمل له شكوى أو يطلب حلاً، فيسمع الرد المختصر: (اسكت يا عرور) ! ويأتيه رجل من الإدارة الأهلية من حاضنته يشكو حال الجرحى والمصابين الذين يريدون علاجاً أو تعويضاً، فيكون نصيبه جملة مقتضبة: (انطم يا عرة)! ثم يأتيه جندي بسيط لديه رأي في سير المعركة فيُرمى بالكلمة ذاتها كأنها حكم نهائي لا يقبل النقاش
وهكذا تحولت الكلمة إلى أسلوب حكم، كل من يقترب يسمعها، وكل من يتكلم يُقمع بها، حتى صار المشهد كله أشبه بمجلس كبير يوزَّع فيه وصف العرور على الجميع… إلا القائل نفسه
لكن المشكلة أن الميدان ليس مجلس نكات، والرجال الذين يحملون السلاح لا تُدار معنوياتهم بالسخرية، الجندي قد يتحمل التعب والجوع والبرد، لكنه لا يحتمل طويلاً أن يُهان أمام رفاقه، ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتوالى الشقوق داخل الصفوف، وأن تبدأ القيادات في التململ، ثم في الهروب أحياناً، تاركين وراءهم قوات تائهة في السهلة لا تعرف طريقاً إلا أحد اثنين: الهلاك أو الاستسلام.
وفي كردفان وغيرها من المحاور بدأت الصورة تتضح أكثر؛ الروح المعنوية تهبط، والصفوف تتفكك، والانشقاقات تتكاثر مثل شروخ في جدار قديم، وكل ذلك يبدأ أحياناً من كلمة صغيرة تُقال باستهانة لكنها تترك أثراً كبيراً في النفوس
هنالك مثل سوداني يقول : (اللسان ما فيه عضم لكنو بكسّر الضهر ) ! والكلمة حين تُطلق باستخفاف تتحول إلى نار تحت الرماد، ومن يزرع الاحتقار في رجاله لا ينبغي أن يتفاجأ إذا حصد منهم التمرد أو الهروب
إني من منصتي أنظر …. حيث اقرأ….. في القصة كلها أن الرجل الذي ظل يوزع كلمة عرور على الآخرين، لم ينتبه إلى أن كثرة استعمالها صارت تكشف حال القائل أكثر مما تصف المقول له ! ، فالقيادة التي تضيق بالرأي وتخاف من السؤال وترد على الشكوى بالإهانة… لا تحتاج كثيراً من الشرح حتى يفهم الناس من هو العرور الحقيقي في الحكاية ! .

