Uncategorized

أعلى المنصة ياسر الفادني الشوق الذي لا يهدأ !

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

الشوق الذي لا يهدأ !

في فضاء المديح النبوي السوداني تتولد لحظات من الصفاء الروحي لا يمكن تفسيرها إلا بلغة الشوق، هناك حيث يصبح الكلام أقرب إلى الدعاء، واللحن أقرب إلى البكاء الجميل، تبرز مدحة (متين أقداري ليهو تسوق) كلمات الراوي نادر وأداء المادح مدثر عوض الجيد كقطعة من الوجدان الصوفي الخالص، مدحة ليست مجرد كلمات تُقال، بل حالة وجدٍ تسري في القلب قبل الأذن

المدحة منذ مطلعها تضع المستمع أمام سؤال العاشقين الأزلي: متين أقداري ليهو تسوق؟. السؤال سؤال روحٍ معلّقة بباب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، سؤال الشوق الذي لا يهدأ، سؤال القلب الذي يترقب لحظة الوصال، وكأن الأقدار نفسها تصبح مركباً يقود العاشق نحو الحضرة النبوية. هذا الاستهلال يفتح باباً واسعاً للمعنى الصوفي، فالعاشق لا يملك الطريق، بل ينتظر أن تقوده الأقدار بفضل الله إلى مقام القرب

اللغة في هذه المدحة لغة موشّاة بالصور البلاغية التي تنتمي لمدرسة المديح السوداني العميقة، حيث تختلط الرقة بالعاطفة، ويصبح الوصف أشبه بلوحة عطرية. حين يقول: (طاهر بسمو يخفي النور… وتفلو المسك والكافور) فإن الصورة إشراق روحي؛ فالنور نفسه يخجل أمام نور الحبيب، والمسك والكافور يتطايران من أثر ذكره، هذه الاستعارة العطرية تضفي على النص بعداً حسياً يجعل المستمع كأنه يشم عبق السيرة الطاهرة،
وفي مقاطع أخرى تتجلى البلاغة في تشبيهات تنتمي لبيئة الصوفية العاشقة، مثل قوله: (كفك بان هدير السيل)… وشعرك فات سواد الليل ! . هنا تتزاوج الطبيعة مع المعنى الروحي، فالسيل رمز القوة والكرم، والليل رمز الهيبة والجمال. هذه المقارنات تمنح النص طاقة تصويرية عالية تجعل الكلمات تتحرك في مخيلة السامع كأنها مشاهد مرئية

المدحة أيضاً تحمل بعداً روحياً عميقاً في مفرداتها التي تتحدث عن الشوق والزيارة والبكاء في الحضرة. حين يقول: “قمنا زيارة في الأسحار… لا بابور ولا طيار” فالمعنى هنا يتجاوز السفر الجغرافي؛ إنه سفر القلب. فالزيارة في الفكر الصوفي لا تحتاج إلى وسيلة نقل، بل تحتاج إلى صفاء النية وصدق المحبة. لذلك تأتي العبارة وكأنها تقول إن الطريق إلى الحبيب لا تقطعه الطائرات بل تقطعه الدموع

أما عبارة “حبك في حشاي جلجال” فهي من أجمل الصور العاطفية في النص، إذ تشبه المحبة بجرسٍ لا يتوقف عن الرنين داخل القلب. إنه صوت الشوق الدائم الذي لا يخفت، فيظل العاشق يقظاً حتى في لحظات السكون.

اللافت في هذه المدحة أن اللحن جاء خادماً للنص لا متغلباً عليه، الإيقاع يسير ببطءٍ متأمل يشبه خطوات الزائر في حضرةٍ مقدسة. تتكرر اللازمة (شايق شوقي أنا) كأنها نبض القلب الذي يعلو شيئاً فشيئاً
هذا التكرار الموسيقي ليس مجرد لازمة فنية، بل وسيلة لرفع مستوى الوجد عند المستمع، حتى يشعر أن الشوق يتصاعد مع كل تكرار كما تتصاعد أمواج البحر

صوت المادح مدثر عوض الجيد يلعب دوراً محورياً في نقل هذا الإحساس. صوته يحمل خامة دافئة تميل إلى الحزن الجميل، ذلك الحزن الذي يعرفه أهل المديح حين يذكرون الحبيب صلى الله عليه وسلم ، نبرته لا تعتمد على القوة بقدر اعتمادها على الصدق، فهو يغني المدحة كما لو كان يناجي، وكأن الكلمات تخرج من صدر ممتلئ بالحنين، في بعض المقاطع يرتفع صوته قليلاً ليعلن اشتعال الشوق، ثم يعود هادئاً كأنما يستريح في حضرة الذكر
والإحساس في أدائه يخلق حالة من التفاعل الروحي بينه وبين المستمع. فحين يصل إلى مقاطع البكاء والزيارة تشعر أن الصوت نفسه يبتل بالدمع، وكأن المادح لا يؤدي نصاً بل يعيش تجربة وجدانية حقيقية

إني من منصتي استمع بحب لهذا العسل الجميل ….حيث أحس احساسا صادقا…. أن هذه المدحة في جوهرها رحلة شوق صوفي، تبدأ بسؤال الأقدار وتنتهي بالدعاء والصلاة على النبي. وبين البداية والنهاية يمتلئ الطريق بالدموع والروائح العطرة والأنوار الروحية….صلوا عليه

مقالات ذات صلة

إغلاق