Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني الحكاية جاطت

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
الحكاية جاطت !
في الحروب غير المنضبطة، لا تبدأ الهزيمة حين يتقدم العدو… بل حين يبدأ الشك بين الرفاق، إزاحة المليشيا لقائدها في قطاع النيل الأزرق حمودة البيشي، وقطع الإمداد عنه، ثم اضطراره لبيع عربات لاندكروزر في مقاطعة الرنك لشراء الوقود وعلاج جرحاه، هو مؤشر ميداني خطير على تصدّع البنية القتالية للمليشيا نفسها، فحين يُترك المقاتلون المصابون بلا علاج، ويضطر قائدهم لبيع العتاد من أجل بقائهم أحياء، فهذه ليست أزمة تموين فقط، بل أزمة ثقة وولاء وانهيار في منظومة القيادة والسيطرة،
الميدان يقول إن أي قوة مقاتلة تعتمد على ثلاثة أعمدة: القيادة، والإمداد، والروح المعنوية، وما جرى في النيل الأزرق ضرب الأعمدة الثلاثة دفعة واحدة فعندما تقرر قيادة المليشيا تعيين قائد جديد من أبناء الرزيقات لقطاع النيل الأزرق بدلاً عن حمودة البيشي، ثم تقطع الإمداد عن القائد الموجود فعلياً في الميدان، فإن الرسالة التي تصل للمقاتلين واضحة: الانتماء القبلي بات أهم من الكفاءة العسكرية أو السيطرة العملياتية
هذا النوع من القرارات يخلق انقساماً قتالياً، لأن المقاتلين في الخطوط الأمامية يبدأون في التساؤل: هل نقاتل تحت راية تنظيم عسكري أم تحت مظلة قبيلة بعينها؟
سطوة أبناء الرزيقات داخل المليشيا ليست سراً، فهي العمود الفقري الذي تشكلت حوله القيادة العليا، لكن المشكلة حين تتحول هذه السطوة إلى منطق إقصاء لبقية المكونات، عندها يبدأ التآكل من الداخل ، وما يحدث الآن في النيل الأزرق يشبه إلى حد كبير السيناريو الذي وقع في ولاية الجزيرة من قبل، حين حاولت المليشيا إدارة المناطق بقوة السلاح والانتماء القبلي أكثر من إدارة المعركة بعقل عسكري منظم هناك أيضاً ظهرت النزاعات الداخلية على الغنائم والقيادة والنفوذ، ثم بدأ التراجع الميداني سريعاً، لأن الجبهة الداخلية لم تكن متماسكة بما يكفي لتحمل ضغط القتال
المؤشرات القادمة من النيل الأزرق تحمل رائحة ذلك المشهد القديم. فبيع العربات العسكرية لتمويل الوقود والعلاج علامة على أن خطوط الإمداد قد انقطعت فعلياً، وأن القيادة قررت ترك القطاع يواجه مصيره، وفي لغة الحرب، قطع الإمداد يعني عملياً حكم الإعدام البطيء لأي قوة متمركزة في الميدان، أما المعلومات التي تتحدث عن نية تصفية حمودة البيشي بعد رفضه تعيين قائد من الرزيقات، فهي تكشف أن الصراع تجاوز الخلاف التنظيمي إلى مستوى الصراع على البقاء
وهنا تظهر الرسالة الأخطر في هذه الوضعية، المليشيا لم تعد فقط تقاتل خصومها، بل بدأت تدخل مرحلة الصراع الداخلي، وهذه المرحلة تاريخياً هي اللحظة التي تبدأ فيها التشكيلات غير النظامية بالتفكك، لأن المقاتل حين يشعر أن قيادته قد تتخلى عنه أو حتى تصفيه، فإنه يفقد الدافع للقتال، ويتحول السلاح من أداة مواجهة إلى أداة حماية شخصية
أما الرسالة الثانية فهي أن القيادة المركزية للمليشيا تحاول إعادة هندسة نفوذها داخل القطاعات العسكرية عبر الدفع بقيادات من الرزيقات لضمان الولاء الكامل، حتى لو كان الثمن خسارة قادة ميدانيين يملكون معرفة بالمنطقة ، وهذا التكتيك قد يمنح القيادة سيطرة مؤقتة، لكنه غالباً ما يخلق احتقاناً وسط المقاتلين من المكونات الأخرى، وهو ما يفتح الباب لانشقاقات أو تمردات صامتة داخل الصفوف
الرسالة الثالثة تتعلق بالميدان نفسه في النيل الأزرق، فالقطاع هناك معقد جغرافياً وسياسياً، ويحتاج إلى قيادة تعرف تضاريسه ومساراته البشرية والعسكرية ، استبدال قائد ميداني تحت ضغط الانتماء القبلي قد يربك العمليات، ويضعف التنسيق بين الوحدات، ويجعل القطاع أكثر هشاشة أمام أي ضغط عسكري من القوات النظامية
إني من منصتي أنظر …. حيث أرى …. هنا… مجرد قصة قائد غاضب باع سياراته العسكرية لينقذ جرحاه ، والقصة في جوهرها علامة على أن المليشيا بدأت تعيد إنتاج أخطائها القديمة: مركزية القرار، هيمنة القبيلة، وإهمال المقاتلين في الميدان. وهذه ثلاث وصفات معروفة في تاريخ الحروب… وصفات لا تصنع نصراً، بل تكتب بداية السقوط.


