Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني للمحبين فقط !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

للمحبين فقط !

كم أنت غالٍ يا رسول الله… أقولها بملء الفم، وبقلبٍ محبٍ منفطرٍ بالشوق، قلبٍ يعرف أن الكلمات مهما بلغت من البلاغة فإنها تقف متواضعة عند بابك، وأن الحروف مهما تزينت بالمعاني فإنها تعجز عن حمل قدر محبتك، قبلي قالها العارفون، ورددها المادحون، وسكبها أهل المحبة في مدائحهم دموعًا قبل أن تكون كلمات، قالها شيخنا النَيَّل أبو قرون في مدحته التي صارت أنشودة عشق صوفي خالص: (قولوا حبيبي النبي الغالي… الغالي الغالي رسول الله)،
هنا تتجلى البلاغة كما لو أنها تتوضأ بنور المحبة، وتتزين الاستعارات والتشبيهات بأجمل صورها حين يقول: (بي مدح الغالي بَسَقِي مقالي… لأن الله مدحو قبالي)!  فإن المعنى لا يقف عند حدود اللغة، بل يتجاوزها إلى روح المكان والإنسان كلمة بَسقي مقالي صورة من معاني تشبيهية بلاغية فيها البركة حاضرة، وحين يشبه الراوي محبته للنبي بذلك، فهي قمة البلاغة ، كأن محبة الرسول هي المكان الذي تسقي فيه كل خيرات القلب

الراوي النَيَّل سكب إحساسه عسلاً مصفى في مدح الغالي الذي يخجل منه بدر التمام العالي إذا رآه، لم تكن الكلمات عنده مجرد نظمٍ أو أداء، بل كانت حالة عشقٍ صافٍ، عشقٍ يصل إلى حد أن يرى في النبي الملاذ الآمن، فإذا أحببته وجدت الأمان، وإذا صليت عليه احتميت من الزلازل التي تعصف بالروح قبل الجسد، هكذا يفهم الصوفيون معنى المحبة: التي عندهم هي ملجأٌ روحي يلوذ به القلب كلما ضاقت الدنيا واتسعت الأحزان

يبدو أن الراوي النَيَّل حين كتب هذه المدحة كانت روحه في مقام الصفاء، طاهرة كنسيم الفجر، وقلبه ممتلئ بالشوق لحبيبٍ لم تره العين ولكن تعرفه الروح، لم يكن أمامه إلا الكلام ليعبر عن ذلك الوجد، فخرجت الكلمات كأنها دعاء، وانسابت العبارات كأنها دموع خفية

أداها المادح معاذ ود البادية  ومعه الفرقة الجميلة…   فارتفعت الأصوات محبة، ورددت القلوب قبل الحناجر اسم النبي العظيم،
الإحساس في تلك المدحة عالٍ كأنه جناح نور، واللحن يأخذ المستمع إلى عالمٍ آخر، ولعل اللحن يندرج تحت إيقاع النوبة، ذلك الإيقاع الذي يحبه السودانيون حبًا خاصًا، لأنه إيقاع صادق في عاطفته، عميق في جذوره، جميل في انجذابه، النوبة ليست مجرد موسيقى، بل حالة وجدٍ سودانية خالصة، حين تمتزج حالتها بالروح بالذكر، ويتحول اللحن إلى طريقٍ يقود القلب نحو المحبة

إني من منصتي أنصت بحب  لهذا الوصف  الخاص بالجناب المحمدي العجيب….  إنه ليس مجرد مدحة، بل رسالة حب خالدة، يرددها أهل الوجدان كلما ضاق بهم الكلام، فكل الطرق في النهاية تقود إلى تلك الحقيقة البسيطة العميقة: أن القلوب التي عرفت رسول الله لا تملك إلا أن تحبه، وأن الأرواح التي ذاقت نوره لا تستطيع إلا أن تصلي عليه، فصلّوا عليه وزيدوه صلاة… فإن الصلاة عليه نورٌ في القلب، وسكينة في الروح، ونجاةٌ في الدنيا والآخرة. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.

مقالات ذات صلة

إغلاق