Uncategorized

من أعلى المنصة ياسر الفادني فقاعات ملوّنة

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

فقاعات ملوّنة !!

عند الفوضى الإعلامية الخبر يشبه كرة ثلج صغيرة، يكفي أن يدحرجها أحدهم من أعلى التل حتى تتكفل الجموع بتكبيرها، هذا ينفخ فيها قليلًا، وذاك يكسوها بدهشة مفتعلة، وثالث يضيف إليها جرعة شماتة، وفجأة تتحول الأكذوبة إلى حقيقة متداولة ، لا لأن لها سندًا، بل لأن هناك من يعشق تصديقها

هذه هي القصة باختصار مع ما قيل إنه تسريب منسوب إلى عثمان محمد يوسف كبر. كلمة تسريب هذه في زمن الإعلام الرقمي أصبحت مثل التميمة السحرية؛ ما إن تُذكر حتى يسقط العقل من المعادلة، ويبدأ التصفيق قبل أن يبدأ التفكير. لا أحد يسأل: من أين جاءت؟ كيف صُنعت؟ هل تتطابق مع الوقائع؟ المهم أن هناك تسريبًا، والفرح بالأكذوبة أسرع بكثير من البحث عن الحقيقة

كبر في رده لم يفعل أكثر من وضع حجر ثقيل في طريق هذه القافلة المسرعة، قال ببساطة: طوال هذه السنوات كنت بين الاعتقال واللجوء، فكيف أُدير دولة من زنزانة أو منفى؟ سؤال بسيط، لكنه كافٍ ليصيب بعض الناس بصداع الحقيقة، لأن المشكلة ليست في التسريب، بل في الرغبة الجامحة لدى البعض لتصديق أي رواية توافق هواهم السياسي، حتى لو كانت مثقوبة بالمنطق من أول سطر إلى آخره

المثير للسخرية أن بعض مروجي هذه الحكايات يتعاملون مع التسريب وكأنه وحي منزل، يلتقطونه من الشاشة، يطيرون به إلى منصات التواصل، يرشون عليه قليلًا من الغضب وكثيرًا من الشماتة، ثم يقدمونه للجمهور على أنه كشف تاريخي خطير، وحين يظهر تكذيب واضح ومنطقي، يصيبهم صمت مفاجئ… كأن الحجر الذي وُضع في الطريق أصابهم في منتصف الجملة

رد كبر تفكيك بسيط للرواية، من الذي اختار البرهان؟ المجلس العسكري، وليس حركة سياسية، ما موقع كبر في الحركة الإسلامية؟ مجرد عضو، لا صاحب قرار تنفيذي، أين كان منذ 2019؟ بين السجن والمنفى، هذه ليست أسرار دولة مدفونة في الأرشيف، بل وقائع معروفة ، لكن يبدو أن بعض العقول تفضّل القصص المثيرة على الحقائق المملة

وهنا تظهر المفارقة الساخرة: الذين يتهمون غيرهم بإدارة الدولة من خلف الستار هم أنفسهم يديرون ماكينة الشائعات من خلف الشاشات ، يصنعون الرواية أولًا، ثم يبحثون لها عن جمهور يصفق ، فإذا انهارت الرواية عند أول اختبار منطقي اكتشفنا أن القصة كلها لم تكن أكثر من حلم جوعان عيش

والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة. فكل مرة تُصنع فقاعات ملوّنة جديدة: تارة باسم كبر، وتارة باسم كرتي، وتارة باسم أحمد هارون. تُنفخ الفقاعة بعناية، تُلوَّن بالإثارة، وتُطلق في فضاء السوشيال ميديا لتلمع قليلًا

لكن المشكلة أن صانعيها ينسون دائمًا أن الفقاعة مهما تلونت ومهما ارتفعت… مصيرها واحد: أن تنفجر عند أول لمسة من الحقيقة

القصة في جوهرها ليست دفاعًا عن شخص بقدر ما هي مرآة لحال الخطاب العام، سرعة مذهلة في نشر الاتهام، وبطء شديد في مراجعة الحقيقة، لذلك لم يكن أبلغ من الحكمة القديمة التي استدعاها كبر: تبينوا قبل أن تصدقوا حديث الفاسقين

لكن يبدو أن بعض الناس يفضلون الطريق الأقصر: تصديق الفاسقين أولًا… ثم البحث لاحقًا عن مبررات لتصديقهم

إني من منصتي أنظر …. حيث أري…هكذا يستمر مصنع الشائعات في إنتاج فقاعاته الملوّنة، بينما تكفي أحيانًا لمسة صغيرة من الحقيقة لتنفجر الفقاعة، ويكتشف الناس متأخرين أنهم كانوا يطاردون هواءً… لا أكثر.

مقالات ذات صلة

إغلاق