Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني زيارة لم تحدث… لكنها تسكن كل قلبٍ مشتعل !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

زيارة لم تحدث… لكنها تسكن كل قلبٍ مشتعل !

عندما يكتب البرعي، فهو لا ينظم كلمات بقدر ما يفتح بابًا بين الأرض والسماء… هذا النص ليس مدحة تُقال، بل حالٌ يُعاش، ووجدٌ يتسرّب من قلبٍ امتلأ حتى فاض،
المدخل نفسه (متين يا شافع الجَمْعَا) ! هو شوقٌ ممدود على حبل الزمن، استفهامٌ لا ينتظر جوابًا بقدر ما يكشف لوعة الانتظار، الزمن هنا ليس تقويمًا، بل مسافة بين العبد والحبيب، بين الأرض والحضرة ، ثم تأتي (نزروك ليلة الجمعة) ! ، فتتحول الأمنية إلى طقسٍ مقدّس ، ليلة الجمعة في الوجدان الصوفي ليست مجرد زمن، بل نافذة نور، لحظة يُرجى فيها القرب، ويُستأنس فيها بالوصال

بلاغيًا، النص قائم على التكرار، لكنه ليس تكرار العاجز، بل تكرار العاشق. أزور… أزور… أزور… هذا الإلحاح اللفظي هو في حقيقته إلحاح روحي، كأن القلب لا يكتفي بزيارة واحدة، ولا يرتوي بذكرٍ واحد، التكرار هنا يُراكم الشحنة العاطفية حتى تبلغ ذروتها، ويخلق إيقاعًا داخليًا يجعل السامع يدخل في حالة وجد دون أن يدري، كذلك الاشتغال على الصور الضوئية: (الوجهو كالقمرة)، نور الضياء البدري، الكوكب النجمي… كلها استعارات تُحيل إلى النور بوصفه جوهر الحقيقة المحمدية، فالبرعي لا يصف ملامح، بل يشير إلى تجلٍ

وفي (في سوحو قلوبنا منعمرة) ينقلنا من الخارج إلى الداخل؛ الزيارة ليست رحلة أقدام، بل عمران قلوب ، هنا تتجلّى البلاغة الصوفية في أعلى صورها: تحويل المكان إلى حالة!، والحدث إلى معنى باطني ! ثم ينساب في طبقات المدح من الظاهر إلى الأعمق: من الأصل الطيب إلى العروة الوثقى، ومن المورد الأسقى إلى الذي به تُستغنى ، وهي قفزات دلالية تكشف أن الممدوح ليس مجرد نبي في التاريخ، بل سرّ الوجود ومعناه

لحنياً، هذه المدحة تنتمي بوضوح إلى المدرسة المديحية السودانية ذات النفس الجماعي، حيث يبدأ الإيقاع هادئًا، كنداء من بعيد، ثم يتصاعد تدريجيًا مع التكرار حتى يبلغ حالة (التحليق) ، البناء اللحني يعتمد على جُمل قصيرة متكررة، تسمح للكورال بالتماهي، وللمنشد بالارتجال فوقها
، هناك مساحة واضحة للمدّ الصوتي، خاصة في الكلمات المفتاحية مثل نزورك، الجمعة، البدري، وهي نقاط ارتكاز يُبنى عليها الوجد، الأداء عند أولاد البرعي تحديدًا يمتاز بالجمع بين الانضباط والإشراق؛ صوت يبدأ من الصدر لكنه ينتهي في القلب، فيه خشوع لا يخلو من قوة، وانكسار لا يخلو من علو

هذه المدرسة ليست مجرد مديح ، بل امتداد لطريقة صوفية تُعلي من الذكر الجماعي، حيث الصوت وسيلة للعبور، لا غاية في ذاته. الإيقاع يقترب من ضربات القلب، والتكرار يشبه التنفّس، حتى يجد السامع نفسه داخل الحالة دون استئذان
، لا غرابة أن تتحول المدحة من نص إلى طقس، ومن كلمات إلى حالٍ يسري في الجمع

أما أثرها في قلوب المحبين، فهو أشبه بموجة تجتاح الداخل دفعة واحدة، تبدأ بالحنين، ثم تتسلل إلى الشوق، ثم تنتهي بانكسارٍ لذيذ، كأن القلب وُضع أمام مرآته الحقيقية ، هذه المدحة تفعل ما لا تفعله الخطب ولا الدروس؛ تُلين القاسي، وتوقظ الغافل، وتعيد ترتيب الداخل، فيها سرّ الجذب الصوفي: لا تخاطب العقل مباشرة، بل تتسلل عبر الإيقاع والصورة حتى تستقر في أعمق نقطة في الروح
وفي ختامها، حين يقول “صلاة تصلح الحالي… بيها أوزاري تمحالي”، يصل البرعي إلى خلاصة الطريق: كل هذا الشوق، كل هذا الجمال، كل هذا الوجد… غايته واحدة: الخلاص، هنا تتجرد المدحة من زخرفها لتقف عارية أمام الحقيقة: عبدٌ مثقل، يرجو النجاة بحبّ من هو باب النجاة

إني من منصتي استمع واقول :هكذا تُفهم هذه المدحة: ليست كلمات تُقال في حضرة، بل حضرةٌ كاملة تتجسد في كلمات، ليست وصفًا للنبي، بل محاولة للذوبان في نوره، ومن ذاق، عَرِف… ومن عَرِف، لم يعد كما كان.

مقالات ذات صلة

إغلاق