Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني هذا وطنٌ… إذا أحبّ يرفع الصوت: يا رسول الله

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
هذا وطنٌ… إذا أحبّ يرفع الصوت: يا رسول الله
بعض المديح يُولد من دمعة، وبعضه يُكتب من خفقة قلبٍ لا يحتمل الغياب، هذه المدحة التي خطّها الشيخ الراوي خالد المصطفى تعتبر سيرة عشقٍ سوداني خالص، يفيض صدقاً حتى يكاد يُسمع له دويّ في الضلوع
في السودان، يُحب الناس النبي صلي الله عليه وسلم بحضورٍ يومي يسكن التفاصيل، في السلام، في الدعاء، في الفرح الصوفي الذي يعلو فيه صوت النوبة حتى ترتجف الأرض خشوعاً لا طرباً، ومن هنا جاءت هذه المدحة كأنها تلخيصٌ وجدانيٌّ لعلاقة شعبٍ كامل بنبيه، علاقة لا تقبل البرود ولا تعرف الحياد: (نحبك نحن أكتر ناس) ! … شهادة قلبٍ جرّب المحبة حتى امتلأ !
اللغة هنا بناءٌ صوفي متماسك؛ (حجر الساس)… إعلان أن حب النبي هو الأصل الذي تُبنى عليه الروح، وأن كل ما عداه تفاصيل، أما (نقابلك بقلب مشروح) فهي حالة وجدانية صرفة، ذلك الانكشاف النقي الذي لا يعرف التكلّف، حيث يقف العبد أمام محبوبه بلا أقنعة، بلا حواجز، فقط قلبٌ مفتوح كسماءٍ في موسم المطر
وحين تنعطف الكلمات نحو (نقابلك بفرح صوفي، ندق النوبة في الساحات)، إنها تستدعي ذاكرة السودان الروحية، ساحات الذكر، حلقات الدراويش، الأجساد التي تتمايل لا بحثاً عن لحن، بل عن حضور ، هناك، حيث يذوب الصوت في الجماعة، ويتحوّل الكورال إلى روحٍ واحدة، لا يُعرف فيها الفرد من الجمع، وكأن الأداء نفسه تجلٍّ لفكرة (الأمة) في حبها لنبيها
اللحن الذي احتضن هذه الكلمات كان امتداداً للنص، مشدوداً بخيوط المدرسة الموسيقية السودانية التي تعرف كيف تُلامس الوجدان دون صخب، هو لحنٌ يعرف طريقه إلى القلب كما تعرف الأم طريقها إلى طفلها، بسيط في ظاهره، عميق في أثره، يتسلل دون استئذان، ثم يستقر كأنه كان هناك منذ الأزل
أما الأداء الكورالي، فقد حمل بصمة تفرد واضحة، أصوات مختلطة، لكنها منسجمة كأنها نَفَسٌ واحد، تتناوب بين القوة والحنين، بين الجهر والهمس، فتخلق حالة من التوازن النادر، لم يكن هناك استعراض صوتي بقدر ما كان هناك تسليم جماعي للمعنى، وكأن كل صوت يقول: لستُ هنا لأُسمع، بل لأشهد على هذا الحب
اللافت أن هذه المدحة لا تقف عند حدود العاطفة، بل تتحول إلى وعيٍ جمعي: (حبك ثروة قومية)! . عبارة تبدو بسيطة، لكنها تختصر فلسفة كاملة؛ أن محبة النبي صلي الله عليه وسلم ليست مجرد شعور فردي، بل هي رأس مال روحي يوحّد الناس، يخفف انكساراتهم، ويمنحهم معنى وسط الفوضى في بلدٍ عرف التحديات، يبقى هذا الحب هو الخيط الذي لا ينقطع، والملاذ الذي لا يخون
لقد نجح الشيخ خالد المصطفى رحمه الله في أن يلتقط هذه الروح السودانية المتفردة، ويوثقها بلغةٍ تمتلك سحر البيان وصدق التجربة، فخرجت المدحة كأنها مرآة شعب، لا قصيدة فرد. وبين الكلمات واللحن والأداء، تشكّلت حالة نادرة: عملٌ لا يُسمع فقط، بل يُعاش
إني من منصتي أنصت محبا …وأقول : هكذا حين يُقال: (شعب السودان يحبك يا رسول الله)، فالأمر ليس شعاراً يُرفع، بل نبضٌ يُسمع… لمن يعرف كيف يُنصت.


