Uncategorized
علاء الدين محمد أبكر يكتب: امريكا ايران هدنة تكتيكية على صفيح ساخن

علاء الدين محمد أبكر يكتب: امريكا ايران هدنة تكتيكية على صفيح ساخن
بعد 40 يومًا من المواجهات العسكرية التي كادت تشعل حربًا إقليمية واسعة وتفجر أزمة طاقة عالمية، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ في 8 أبريل الجاري. لكن الاتفاق الذي وُصف بـ”الهش” من يومه الأول، يبدو أقرب إلى هدنة تكتيكية منه إلى طريق نحو سلام دائم.
الهدنة التي توسطت فيها باكستان تنص على وقف متبادل لإطلاق النار لمدة أسبوعين فقط، على أن تبدأ مفاوضات إسلام آباد في 10 أبريل للوصول إلى اتفاق شامل. وجاء الإعلان قبل ساعتين فقط من انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفتح مضيق هرمز، مهددًا بتدمير البنية التحتية الإيرانية.
ظهرت التناقضات في تفسير بنود الهدنة فور إعلانها. فبينما تؤكد طهران أن الاتفاق يشمل وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، سارعت إسرائيل إلى تنفيذ 160 غارة على الأراضي اللبنانية، معلنة أن “لبنان خارج الاتفاق”. أما مضيق هرمز، فلا يزال نقطة الاشتباك الرئيسية: واشنطن تشترط فتحه الكامل والآمن، وطهران تلوح بإغلاقه مجددًا إذا استمرت الهجمات على لبنان.
تقارير مراكز الأبحاث تصف الاتفاق بأنه “هش للغاية”. الخبراء يرون مسارين فقط: إما أن تتحول الهدنة إلى وقف دائم لإطلاق النار، أو أن تكون مجرد استراحة لإعادة ترتيب الأوضاع قبل استئناف القتال. فجوة الثقة بين الطرفين عميقة، والخيارات العسكرية الأمريكية بشأن مضيق هرمز تبدو أقل قابلية للتنفيذ مما كان متوقعًا.
دوافع واشنطن للتهدئة لم تكن خافية. ارتفاع أسعار الوقود واستنزاف الحرب لرصيد ترامب السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي دفعاه للبحث عن “مكسب سريع” عبر إعادة فتح المضيق. أما طهران، فتسعى لإعلان انتصار بالصمود في وجه القوة الأمريكية وإثبات قدرتها على ضرب المصالح الأمريكية في المنطقة.
مصير الهدنة معلق الآن على طاولة مفاوضات إسلام آباد. استمرارها مرهون بثلاثة ملفات: الاتفاق على وضع مضيق هرمز واليورانيوم المخصب، وقف إسرائيل لهجماتها على لبنان، والتزام واشنطن ببنود طهران العشرة وأبرزها رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة.
إذا انهارت الهدنة وتجددت الحرب، فستكون منطقة الخليج العربي أول المتضررين. أي إغلاق جديد لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، سيؤدي فورًا إلى: قفزة جنونية في أسعار الطاقة بارتفاع سعر برميل النفط فوق 150 دولارًا، ما سينعكس على أسعار الوقود والكهرباء والسلع عالميًا. مع تهديد البنية التحتية فالقواعد الأمريكية ومنشآت النفط والغاز في الخليج ستكون في مرمى الصواريخ، مما يهدد استقرار الإمدادات لسنوات.
إضافة إلى شلل الملاحة والتجارة، الشيء الذي يؤدي إلى تعطل الموانئ الخليجية وارتفاع تكاليف التأمين البحري الذي سيضرب حركة الاستيراد والتصدير، ويرفع أسعار الغذاء والدواء.
السؤال الذي يُطرح بقلق في غرف التحليل: هل يمكن أن تشهد دول الخليج موجات نزوح نحو دول أكثر أمنًا إذا تحولت المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة؟
رغم أن دول الخليج تُصنف كوجهة آمنة ومستقرة اقتصاديًا، إلا أن تكرار استهداف المنشآت الحيوية واتساع رقعة الحرب قد يدفع العمالة الوافدة – التي تشكل غالبية السكان في بعض الدول – إلى المغادرة المؤقتة نحو بلدانها. كما أن العائلات الخليجية المقتدرة قد تلجأ إلى نقل أصولها وأفرادها إلى أوروبا أو تركيا أو دول آسيا الآمنة كإجراء احترازي. سيكون هذا السيناريو سابقة تاريخية تغير وجه المنطقة الاقتصادي والديموغرافي.
البيت الأبيض حذر بوضوح: أي إخلال سيقابل بـ”رد أكبر وأقوى”. ومع تعثر المفاوضات السابقة وفشل بناء الثقة، يبقى تجدد الحرب احتمالًا قائمًا ترجحه أغلب التحليلات، وتداعياته على الخليج ستكون الأعنف منذ حرب الخليج الثانية.
الهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران ليست سوى استراحة محارب. في تقديري الشخصي، هذه الهدنة تكتيكية بحتة، يستغلها كل طرف للاستعداد لما يمكن تسميته “معركة تكسير العظام” الثالثة والفاصلة. فقد خاض الطرفان حربين بلا نصر حاسم، فالحرب الأولى التي اندلعت في يونيو 2025 لم تحقق لواشنطن وحلفائها نصرًا حاسمًا، ولم تسقط النظام الإيراني. كانت واشنطن تراهن على سيناريو 1979: خروج الشعب الإيراني لإسقاط النظام كما حدث مع الشاه. لكن الرهان سقط لسبب جوهري: غياب الرمز. لم يكن هناك “خميني” جديد يمتلك كاريزما تخاطب الداخل الإيراني من المنفى، عبر شرائط الكاسيت كما فعل الخميني، ويدغدغ مشاعر الناس بمخاطبة قضاياهم الملحة في الرخاء والتنمية والحقوق.
الحرب الثانية في فبراير 2026 كررت الرهان الأمريكي ذاته، وكانت النتيجة ذاتها. لم يخرج الشعب الإيراني للسبب نفسه، مضافًا إليه قبضة النظام القوية على الأرض واستعداده لاستخدام القوة دون تردد ضد أي تحرك داخلي.
الغزو البري لإيران لم يكن ضمن حسابات واشنطن في الجولتين السابقتين. لكن بعد فشلها مرتين في إسقاط النظام، ستتحول المسألة في المرة الثالثة إلى “كرامة” أمريكية. لذلك ستستغل واشنطن فترة الهدنة الحالية لحشد غير مسبوق: مزيد من الجنود، ومختلف أنواع الأسلحة، بهدف واضح هو قهر إيران.
طهران من جانبها تدرك أن الصمود طويلًا أمام القوة الأمريكية المباشرة غير ممكن. لذا ستستنفر حلفاءها في العراق واليمن ولبنان لإشعال المنطقة وإغراقها في الفوضى. استراتيجيتها ستكون تطبيق مقولة شمشون الجبار: “عليّ وعلى أعدائي”. وبالتالي إيران ستعمل على تدمير البنية التحتية لدول الخليج بالكامل: محطات الكهرباء، محطات تحلية المياه، الجسور، المطارات، والموانئ. الهدف ليس فقط الاقتصاد، بل شل الحياة نفسها.
ولن يتوقف الأمر عند مضيق هرمز. باب المندب سيكون هدفًا لتعطيل الملاحة، وحتى قناة السويس لن تكون في مأمن من الاستهداف الإيراني، بهدف قطع شريان نقل النفط من موانئ غرب المملكة العربية السعودية إلى أوروبا والولايات المتحدة.
الأيام القادمة كفيلة بالإفصاح عن هذه الأسئلة المصيرية: هل تنجح واشنطن في حشد تحالف بري لإسقاط النظام؟ وهل تنجح إيران في جر المنطقة كلها إلى الهاوية معها؟ الخليج يقف على حافة تاريخ لم يعرفه من قبل.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



