رأي
ياسر الفادني يكتب … مقابر بلا أسماء

ياسر الفادني يكتب …
مقابر بلا أسماء
في مجمع النشيشيبة، قلب جامعة الجزيرة، لم تُسمع ضحكات طلاب، ولا صدى محاضرات ، بل فُتحت الأرض عن سرها البائس: 26 قبرًا نُبشت، تحمل بين جنباتها جثثًا لأبرياء قُتلوا بغير ذنب، وأخرى لقتلة دفنوا خلسة في حرمٍ أكاديمي كان يُفترض أن يكون ملاذًا للعلم لا مدفنًا للأرواح المعذبة
هذه ليست المرة الأولى. من قبل، نبشت القبور في باحة سينما الزمالك، وتحت جدران سجن ودمدني، واليوم ها هو المشهد يتكرر، ليؤكد أن آلة القتل الميليشياوية لم تكتف بإزهاق الأرواح، بل أرادت طمس آثارها بدفنها حيث لا يجوز، في أماكن تنبض بالحياة والمعرفة، وكأنها تقول للعالم: سنحوّل الوطن كله إلى مقبرة، إن لم يرضخ لنا
نبش القبور ليس فعلاً جنائيًا فقط، بل فعل رمزي صارخ، كل قبر يُفتح اليوم، هو شهادة حيّة على بشاعة ما ارتُكب، وعلى حق الميت أن يُدفن بكرامة، لا أن يُرمى كيفما اتفق ، أن يُدفن طفل قُتل في أحداث ودمدني داخل جامعة، لأن الميليشيا منعت أهله من دفنه في مقابر المدينة، فذلك يعني أن القتلة تجاوزوا حدود الجريمة إلى امتهان الموت نفسه
والمفارقة المؤلمة أن من بين المدفونين قادة من المليشيا ذاتها، وكأن الجلاد والضحية اجتمعوا في قبر واحد… لا لأنهم تصالحوا، بل لأن فوضى السلاح جعلت حتى الموتى متشابهين في المهانة
ما يحدث في مدني ليس مجرد انتهاك حرمة المقابر، بل هو تقويض لما تبقى من صورة الوطن، حين تُدفن الجثث في زوايا الجامعات والسجون ودور العرض السينمائية، فنحن أمام طغمة نتنة لا تحترم البشر ، ولا تحترم الموت، بل تسعى لردم الحقيقة تحت التراب
لكن الحقيقة، كما الموت، لا تُنسى. ستظل هذه القبور مهما حاولوا طمسها شهودًا على عصر من الفظاعة، وسيسألها التاريخ: من أنتم؟ ومن دفنكم هنا؟ ومن منع عنكم حتى حق الراحة الأخيرة؟
القتلة الذين دفنوا ضحاياهم خارج المقابر، هم أنفسهم الذين دفنوا قيم الإنسانية في وضح النهار، لكن الأرض تنبش أسرارها يومًا، وعند الله تجتمع الخصوم .