Uncategorized
من أعلى المنصة ياسر الفادني سؤال بلا إجابة

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
سؤال بلا إجابة !!
الشمس غابت ؟… ولم يكن السؤال عن القمر سؤال ليلٍ عابر، بل صرخة قلب تُرك وحيدًا في العتمة، في هذه الأغنية، لا يغني محمود تاور نصًّا عاطفيًا تقليديًا، ولا يكتب جلال حمدون قصيدة للترف الشعوري، بل يتقاطع الاثنان عند منطقة حساسة في الوجدان السوداني: منطقة الانتظار الذي يطول، والوعد الذي كُتب (بي إيدنا) ثم تُرك على قارعة الخذلان
النص يبدأ بجملة تبدو بسيطة، لكنها محمّلة بكل ما هو موجع: (الشمس غابت وينو القمر طيب) ؟، هنا لا تُستخدم الشمس والقمر كصور شعرية للزينة، بل كميزان عاطفي مختل، غياب الشمس مفهوم، فلكل نهار مغيب، لكن أين القمر؟ أين التعويض؟ أين الحد الأدنى من المواساة؟ السؤال في جوهره ليس عن الفلك، بل عن الإنسان حين يختفي بلا سبب، ويترك خلفه فراغًا لا يملؤه شيء
لغة جلال حمدون تمشي على الأرض، لا تحلق في سماء البلاغة المتكلفة، مفرداته مأخوذة من الحياة اليومية: المواعيد، الخميس، الزهور، الدموع، الانتظار، لكنها مفردات تُنزَع من سياقها العادي وتُلقى في قلب التجربة العاطفية، فتتحول من تفاصيل بسيطة إلى شواهد اتهام، حين يقول (مواعيدنا) ميعادنا حددنا كتبنا بي إيدنا..، فهو لا يذكر وعدًا عابرًا، بل يُدين لحظة اتفاق، لحظة صدق، تحولت لاحقًا إلى عبء على من التزم بها وحده
في هذه القصيدة، الزمن ليس إطارًا محايدًا، بل طرف في الصراع. (يوم الخميس الفات كان يومنا)… ليست مجرد إشارة زمنية، بل تثبيت للخذلان في الذاكرة، اليوم معروف، الموعد معروف، الغياب موثق، لذلك يكون الوجع حادًا، لأن الخيبة هنا لا تحتمل التأويل ولا الأعذار
اللحن الذي وضعه محمود تاور لا يحاول أن يفسر النص، بل يتركه يتنفس، هو لحن حزين دون نواح، مؤثر دون مبالغة، يسير ببطء يشبه خطوات من ينتظر عند نافذة، لا توجد قفزات موسيقية حادة، ولا استعراض صوتي، بل انسياب هادئ يرافق الكلمات كظلها، اللازمة تعود وتعود، لا لأنها جميلة فقط، بل لأنها تشبه الفكرة التي لا تفارق الرأس: الشمس غابت… ولا أحد جاء بعدها
صوت محمود تاور هو العنصر الحاسم في اكتمال هذه التجربة، صوته ليس مصقولًا حد اللمعان، بل فيه نعومة تشبه صوت شخص يحكي لا ليقنعك، بل لأنه لا يستطيع الصمت، أداؤه يميل إلى الاعتراف أكثر من الغناء، وإلى البوح أكثر من التطريب، في المقاطع التي تتحدث عن الدموع والانتظار، لا يرفع صوته، بل يخفضه، وكأن الانكسار لا يُقال عاليًا، بل يُهمَس به
هذه الأغنية لم تترسخ في وجدان المستمع السوداني لأنها جميلة فقط، بل لأنها صادقة، لأنها تشبه قصصًا عاشها الناس، أو سمعوها، أو خافوا أن يعيشوها. هي أغنية تُسمَع في المساء، في الطرق الطويلة، في لحظات الصمت التي تلي الخيبة، لا تطلب منك أن تبكي، لكنها تفتح الباب إن أردت
إني من منصتي استمع …. حيث أري …أنها ليست أغنية حب بقدر ما هي أغنية وعي عاطفي، تقول للمستمع إن الألم ليس ضعفًا، وإن الانتظار ليس خطأ، وإن السؤال عن القمر حق مشروع حين تغيب الشمس، ولهذا بالذات، بقيت هذه الأغنية حيّة، تُعاد لا لأنها قديمة، بل لأنها في كل مرة تُشبه الآن.
