Uncategorized
السودان وعي القيادة الوطنية: ما بين إدراك حدود الشراكة وخطورة الوصاية عميد ركن محمد المرتضى الشيخ عبد الله أكاديميـــة نميــــــــري العسكريــــة العليا

السودان وعي القيادة الوطنية: ما بين إدراك حدود الشراكة وخطورة الوصاية
عميد ركن محمد المرتضى الشيخ عبد الله
أكاديميـــة نميــــــــري العسكريــــة العليا
مقدمة
في اللحظات الفارقة من تاريخ الأمم، حيث تنكشف الخيارات وتتحدد المصائر، تبرز حدود الشراكة مع الآخر ليس كخطوط جغرافية فحسب، بل كسياج فكري وسياسي يفصل بين التعاون المُثمر والتبعية المقنعة، فالقيادة الوطنية الواعية هي التي تدرك أن الشراكة الحقيقية تنتهي حيث تبدأ مساحة القرار السيادي وحيث تنتهي إرادة الشعب الخالصة، إنها القدرة على تمييز نقطة التحول من الند إلى التابع، ومن الشريك إلى المُنفذ.
في الجانب الآخر من المعادلة، تقبع خطورة الوصاية التي تتسلل تحت مسميات المساعدة أو الإصلاح أو الإدارة، محوّلة القرار الوطني إلى مجرد رد فعل لإملاءات خارجية، الوصاية ليست فقط احتلالاً عسكرياً أو إدارة مباشرة، بل هي ذلك التدخل الناعم في صياغة السياسات وإعادة هندسة الأولويات، بحيث تخدم الرؤى الخارجية على حساب المصالح الوطنية، هنا يتجلى الوعي الحقيقي للقيادة في رفض هذه الوصاية بشتى أشكالها، مهما بدت ملبسة أو مغلفة بشعارات براقة.
بين هذين المفهومين (إدراك حدود الشراكة واستشعار خطورة الوصاية) يمشي درب القيادة الوطنية الواعية في السودان، إنها رحلة وعي دائمة، تستلهم من تاريخ الشعب السوداني الحر، وتستشرف مستقبله بثبات، مؤمنة بأن الإرادة الوطنية هي القوة التي لا تُقهَر، وأن كل مشاريع الفرض الخارجي، مهما بلغت قوتها، مصيرها الانكسار على صخرة إصرار شعب يملك وعيه وتاريخه وقراره.
الإرادة الوطنية: النبع الجيولوجي الذي يُشكّل مصير الأمم ولا يجف
لا يُختزل مفهوم الإرادة الوطنية في مجرد شعار مؤقت أو رد فعل عاطفي على حدث طارئ، إنها أشبه بـ(ظاهرة جيولوجية عميقة)، تشكل طبقات متراكمة عبر التاريخ من الهوية والذاكرة الجماعية والتجارب الناضجة والطموح المشترك لمستقبل أفضل، إنها القوة (التكتونية الباطنية) التي تتحرك ببطء وحتمية، لتُشكّل في لحظات الحسم التضاريس السياسية الجديدة، وتدفع بجبال الصمود أمام زلازل الهيمنة الخارجية.
هذه الإرادة ليست درعاً سلبياً يُتَّكأ عليه للدفاع فحسب، بل هي (نظام دفاعي ديناميكي ذكي)، يجمع بين مناعة البنية الداخلية (التماسك الاجتماعي، الثقة بين الشعب وقيادته، الوضوح الاستراتيجي) والقدرة الهجومية الاستباقية على صعيد صناعة القرار، إنها التي تحول السيادة من مفهوم قانوني مجرد إلى ممارسة يومية حية، تظهر في رفض القرار المفروض، وفي القدرة على ابتكار الحلول المحلية للتحديات المحلية، وفي صياغة الشراكة الدولية من موقع الندية لا الالتماس.
التجارب التاريخية تُظهر أن محاولات اختراق الإرادة الوطنية تشبه محاولة احتواء نهر عظيم بسدود هشة، قد تنجح مؤقتاً في تحويل مساره أو كبح تدفقه، لكن طاقة المياه المتراكمة ستتفجر حتماً، جارفة كل ما يعترضها، قوة الوصاية الخارجية (قوة استنزافية آنية)، تعتمد على عوامل قد تتبدل، بينما قوة الإرادة الوطنية كقوة تراكمية وجودية، تتجذر أعمق مع كل تحدٍ تواجهه، عليه يكون الفرق بينهما هو الفرق بين القوة المُستعَارة والقوة المُستمدّة، بين التأثير الظرفي والتأثير المصيري.
إن الاختراق الحقيقي لا يكون للإرادة نفسها، بل لوعي القيادة والشعب بها، عندما تُنسى هذه الإرادة أو تُهمّش أو يُشكَّك في جدواها، هنا يحدث التمكين للخارج، عليه فإن وعي القيادة الوطنية العليا في السودان كما في كل الأمم يتجلى في تعبئتها وتحويلها من حالة كامنة إلى طاقة فاعلة تحمي خيارات الأمة ومسارها المستقل، إنها الرهان الوحيد الذي لا يُهزم، لأن مهاجمه لا يحارب مؤسسة أو حكومة، بل يحارب روح أمة وإصرار تاريخ.
نماذج معاصرة: تشريح استراتيجي لدروس أعادت تعريف قواعد اللعبة الدولية
في مختبر الصراع الدولي المعاصر، تتحول ساحات مثل الصومال واليمن وفنزويلا إلى حالات دراسية استراتيجية بالغة التعقيد والأهمية هذه النماذج لا تروي قصص كفاح محلي فحسب، بل تقدم تشريحاً عملياً لكيفية تفكيك آليات الهيمنة الدولية وإعادة كتابة قواعد الاشتباك بين الدول الصغيرة والمؤسسات الكبرى، كل نموذج منها يمثل درساً استراتيجياً بيناً يضع المؤسسات الدولية العدلية منها والسياسية أمام مرآة تكشف عن التناقض بين خطابها المعلن وممارساتها الفعلية، وتحديات وجودية حول شرعيتها وفاعليتها.
الصومال: الوصاية المركبة والفشل في رسم الحدود
عانت الصومال من وصفة (الدولة الفاشلة) التي فُرضت عليها، لتحويلها إلى مختبر للوصاية الدولية متعددة المستويات – عسكرياً عبر بعثة الاتحاد الأفريقي، وسياسياً عبر مكتب الأمم المتحدة، واقتصادياً عبر شروط المؤسسات المالية. فشلت القيادات الصومالية المتعاقبة في إدراك الحد الفاصل بين إعادة الإعمار والتبعية الكاملة، فقبلت بوصاية تحت مسمى (البناء المؤسسي)، ففقدت تدريجياً سيطرتها على القرار الاستراتيجي، النجاح النسبي الوحيد كان في تحويل الضعف إلى ورقة تفاوض، لكنه بقي تفاوضاً من موقع التابع لا الند.
اليمن: السيادة الممزقة واستحالة الشراكة المتوازنة
غرقت اليمن في مستنقع الوصاية الإقليمية المتنافسة، حيث تحولت من دولة ذات سيادة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين تحالفات إقليمية، فشلت كل القيادات اليمنية في إدراك أن الشراكة مع طرف إقليمي ضد آخر هي بوابة للوصاية الكاملة. قبلت الأطراف بدعم خارجي لمجابهة خصومها الداخليين، ففقدت القدرة على رفض الشروط المفروضة، وتحولت إلى مجرد وكلاء لأجندات غير يمنية، الدرس الأليم هو أن الشراكة في زمن الحرب الأهلية تكاد تكون مستحيلة، لأنها تتحول حتماً إلى علاقة تبعية.
فنزويلا: الوعي الحاد بخطورة الوصاية والمقاومة الشاملة
قدمت فنزويلا نموذجاً فريداً للوعي المفرط بخطورة الوصاية، لكنه تحول إلى حصار ذاتي. أدركت قيادة مادورو مبكراً أن العقوبات الأمريكية والضغوط الدولية هي وصاية اقتصادية وسياسية مبطنة، فرفضتها تماماً واتجهت لتحالفات مضادة، نجحت في الحفاظ على القرار السياسي المستقل، لكنها فشلت في إدارة التوازن بين رفض الوصاية والحفاظ على شراكات دولية مفيدة، النتيجة كانت عزلة دولية كبرى وتدهور معيشي وأخيراً تم اختطاف الرئيس مادورو من وسط عاصمته كاراكاس بواسطة قوات النخبة الأمريكية، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الرفض المطلق للشراكة أفضل من الوصاية المقنعة؟
التحدي ثلاثي الأبعاد للمؤسسات الدولية
• تحدي الشرعية: كيف تتصرف مؤسسات مثل الأمم المتحدة أو محكمة الجنايات الدولية عندما تتحول من (حَكَم مفترض إلى طرف في نظر الدول التي يفترض أن تحميها؟
• تحدي الفاعلية: كيف تحافظ آليات العقوبات والوساطة الدولية على مصداقيتها عندما تثبت النماذج أن بالإمكان تحييدها أو تحويلها ضد من فرضها؟
• تحدي السردية: كيف تواصل هذه المؤسسات الترويج لسردية الحوكمة العالمية ومسؤولية الحماية عندما تنتج هذه النماذج سرديات مضادة قوية عن الصمود الوطني ورفض الوصاية وتجد صدى واسعاً في التجاوب العالمي؟
هذه الدروس الاستراتيجية ترسم خريطة طريق جديدة للدول التي تسعى لحماية سيادتها في عالم غير متكافئ، إنها تشير إلى أن مفتاح الصمود لم يعد القوة العسكرية التقليدية فقط، بل الذكاء الاستراتيجي في استخدام تعقيدات النظام الدولي نفسه كسلاح.
أمام هذه الحقائق، تجد المؤسسات الدولية نفسها في مفترق طرق: إما التكيف مع عالم لم تعد فيه القوة المطلقة حكراً على عدد قليل، أو المخاطرة بأن تصير هياكل فارغة من المضمون، تتحدث بلغة العولمة بينما تعيش الأمم واقعاً جديداً من السيادات الصلبة المرتكزة على إرادات وطنية لا تنكسر.
موقف السودان كرؤية قيادية عملية
لم يعد السودان يقف عند مفترق طرق تقليدي بين السلم والحرب أو بين الداخل والخارج، بل بات في لحظة أكثر تعقيداً: لحظة اختبار الوعي القيادي بحدود الشراكة ومعنى السيادة في عالم تتداخل فيه الأدوات الصلبة والناعمة، فالقضية لم تعد تدور حول حجم التدخل الخارجي بقدر ما تتعلق بكيفية استيعابه، ولا حول وجود الشراكات الدولية من عدمها، بل حول موقع السودان داخلها: هل هو فاعل مشارك أم ساحة إدارة؟ في هذه اللحظة تحديداً، تصبح القيادة الواعية هي الفارق بين دولة تُدار من الخارج ودولة تُدير علاقتها بالعالم بشروطها.
تشير التجارب المعاصرة إلى أن أخطر أشكال التهديد للسيادة لم تعد تتخذ شكل الاحتلال أو الإدارة المباشرة، بل تأتي عبر مسارات أكثر ذكاءً: توصيات تقنية تتحول إلى قرارات ملزمة، مساعدات مشروطة تُعاد صياغتها كإصلاحات، وسرديات إنقاذ تخفي خلفها إعادة هندسة للقرار الوطني. هنا يصبح التحدي الحقيقي ليس في رفض الخارج، بل في القدرة على فرز ما يخدم المصلحة الوطنية عمّا يُعيد إنتاج التبعية، وهي مهمة لا ينهض بها إلا وعي قيادي يمتلك البوصلة الاستراتيجية ولا ينجرّ خلف ضغط اللحظة أو إغراء الحلول السهلة، عليه يواجه السودان تحدياً ثلاثياً:
• إدارة الشراكة مع المؤسسات المالية الدولية دون تحويل الإصلاح الاقتصادي إلى تنازلات سيادية.
• التعامل مع التدخلات الإقليمية المتعددة في ملفاته الداخلية دون الانجرار إلى تبعية لأي طرف.
• الحفاظ على الوحدة الوطنية في وجه محاولات الاستقطاب الخارجي التي تستغل الانقسامات الداخلية.
انطلاقاً من هذا الفهم، فإن مقاربة موقف السودان لا يمكن أن تظل في إطار الوصف أو التبرير، بل يجب أن تنتقل إلى مستوى الإدارة الاستراتيجية للسيادة (Strategic Asset Management) بوصفها مورداً وطنياً قابلاً للتآكل أو التعظيم، فالدروس المستفادة من النماذج الدولية لا تُستنسخ، بل تُفكَّك وتُعاد مواءمتها مع الخصوصية السودانية، بهدف تحصين الداخل، وضبط الخارج، ومنع الانقسام والانهزام قبل تشكلهما، عليه تأتي المحاور التالية كخريطة طريق عملية توضح كيف يمكن للسودان أن يحافظ على وحدته وحدوده وقراره، عبر تحويل الوعي الوطني من حالة إدراك إلى منظومة فعل وسياسات وذلك عبر المحاور التالية:
أولاً: السيادة كقرار تشغيلي لا كشعار سياسي
من الخطاب إلى الـ Execution: السيادة في السياق السوداني لم تعد مفهوماً نظرياً أو مادة للخطابة، بل يجب إدارتها كقرار تشغيلي يومي داخل مؤسسات الدولة، القيادة الوطنية الواعية مطالَبة بتحويل السيادة إلى إجراءات عمل واضحة يمكن أن تتمثل في الآتي:
• ضبط مسارات التفاوض الدولي بمنطق الـ Red Lines غير القابلة للمساومة.
• ربط أي شراكة خارجية بمؤشرات أداء وطنية (KPIs) تخدم الأمن القومي ووحدة القرار.
• رفض منطق (الحلول الجاهزة) واستبداله بمنهج Co-Design الذي يجعل السودان شريكاً في صياغة الحل لا موضوعاً له.
ثانياً: إدارة الشراكات الدولية بمنطق الندية الذكية
شراكات بلا وصاية: الدرس الأهم من التجارب المقارنة أن الشراكة الناجحة لا تعني الانسحاب من النظام الدولي، بل تعني إعادة هندسة العلاقة معه، على السودان أن:
• إعادة تصنيف الشركاء الدوليين وفق مبدأ Value Alignment لا حجم التمويل.
• استخدام المؤسسات الدولية كساحات تفاوض لا كغرف أوامر.
• الفصل بوضوح بين الدعم الفني المقبول والتدخل السياسي المرفوض، مع بناء جهاز وطني قادر على امتصاص الدعم دون التماهي مع أجنداته.
ثالثاً: تحصين الداخل كخط الدفاع الأول ضد الانقسام
التماسك الداخلي هو جدار الحماية الحقيقي Internal Cohesion is the Real Firewall: كل نماذج الصمود تؤكد حقيقة واحدة (الاختراق يبدأ من الداخل)،عليه، فإن الأولوية القصوى للسودان يجب أن تكون:
• إعادة بناء الثقة بين القيادة والشعب باعتبارها رأس المال السياسي الحقيقي.
• إدارة التنوع السوداني كميزة تنافسية لا كعبء أمني.
• توحيد السردية الوطنية في مواجهة سرديات التفكيك التي تتغذى على الإحباط والفراغ القيادي.
رابعاً: التعقيد الاستراتيجي كأداة ردع
اجعل التدخل مكلفاً Make Intervention Costly: كما في النموذج اليمني، فإن رفع تكلفة التدخل الخارجي لا يتم فقط بالسلاح، بل بـ:
• تشابك التحالفات الإقليمية دون الارتهان لمحور واحد.
• تعقيد المشهد السياسي بطريقة تمنع أي طرف خارجي من امتلاك مفاتيح الحل منفرداً.
• إدارة الصراع بحسابات طويلة النفس (Long Game)، لا بمنطق ردود الأفعال.
خامساً: الاقتصاد السيادي كرافعة استقلال القرار
لا سيادة بدون خيارات اقتصادية No Sovereignty Without Economic Optionality: فنزويلا تقدم درساً قاسياً لكنه واقعي: لا سيادة بلا بدائل، عليه يمكن للسودان المطالبة بـ:
• تنويع قنواته الاقتصادية والتجارية بعيداً عن مراكز الضغط التقليدية.
• الاستثمار في الاقتصاد الحدودي والموارد المحلية كخط صد ضد الابتزاز الخارجي.
• التعامل مع العقوبات – إن وُجدت – كعامل إعادة تشكيل للنموذج الاقتصادي لا كنقطة انهيار.
سادساً: الوعي القيادي كضمانة مستقبلية
الوعي القيادي = التأمين الاستراتيجي Leadership Awareness = Strategic Insurance: الخلاصة الجوهرية لكل ما جاء هي أن المعركة الحقيقية ليست مع الخارج، بل مع (كيفية إدراك الذات)، عليه وعي القيادة الوطنية في السودان يجب أن يتمحور حول:
• إن الوصاية لا تُفرض دفعة واحدة بل تُمرَّر تدريجياً.
• إن أخطر أشكال الهزيمة هي القبول الذهني بالتبعية قبل فرضها عملياً.
• عندما تُدار الإرادة الوطنية بذكاء، تتحول من طاقة كامنة إلى قوة تفاوضية صلبة.
خلاصة تنفيذية: السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعه في النظام الدولي ليس كدولة أزمة، بل كدولة (تُدير أزمتها بوعي سيادي) لأن اللعبة قد تغيرت، والقيادة التي تفهم حدود الشراكة وخطورة الوصاية لا تحمي الحاضر فقط، بل تؤسس لمستقبل لا يُدار من الخارج وهذا هو الـ Winning Strategy الحقيقي، فالوعي الوطني ليس رفضاً جامداً لكل تعاون خارجي، ولا قبولاً ساذجاً بكل عون. هو القدرة على التفاوض من موقع القوة المعرفية، بإدراك أن:
• الشراكة الحقيقية تحترم الأولويات الوطنية وتدعم القدرات الذاتية.
• الوصاية المقنعة تفرض الأجندات الجاهزة وتبقي الدولة في موقع المتلقي السلبي.
• الخط الأحمر هو المساس بالثوابت الوطنية والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.
خلاصة استراتيجية: السيادة كفن إدارة المستقبل لا كمعركة دفاعية
السيادة بوصفها قدرة على الاختيار: تكشف مجمل التحليلات أن السيادة في السودان لم تعد مسألة صمود ظرفي أو رفض آني للتدخلات، بل أصبحت اختباراً مستمراً لقدرة الدولة على الاختيار الحر وسط عالم ضاغط. فالدول لا تُقاس اليوم بمدى انغلاقها أو انفتاحها، بل بقدرتها على التحكم في اتجاه هذا الانفتاح، فالقيادة الوطنية الواعية هي التي تدرك أن أخطر أشكال الخسارة لا تتم عبر الهزيمة العسكرية، بل عبر التنازل التدريجي عن حق القرار تحت ضغط الأزمات أو إغراء الحلول السريعة، من هنا تصبح السيادة ممارسة عقلانية واعية، لا رد فعل عاطفي، ولا شعاراً يُستدعى عند الأزمات.
من مقاومة الوصاية إلى هندسة النفوذ: ما يميز اللحظة السودانية الراهنة أن الصراع لم يعد بين سيادة واحتلال، بل بين نموذجين لإدارة النفوذ: نموذج خارجي يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق مصالحه، ونموذج وطني يسعى لإعادة تعريف علاقته بالعالم من موقع الندية الذكية، التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت لم تكتفِ برفض الوصاية، بل ذهبت أبعد من ذلك نحو تطويع النظام الدولي نفسه، وتحويل أدوات الضغط إلى أوراق تفاوض، ومراكز الهيمنة إلى مساحات مناورة، هذا المسار لا يتحقق إلا حين تمتلك القيادة رؤية طويلة المدى، وتفهم أن التعقيد المدروس أقوى من المواجهة المباشرة، وأن إدارة التوازنات أخطر وأهم من كسب المعارك اللحظية.
الرهان الحاسم (وعي القيادة وتماسك الداخل): في المحصلة النهائية، يظل الرهان الأكبر للسودان ليس في تبدل مواقف الخارج، بل في تماسك الداخل ووعي القيادة بدورها التاريخي، فالإرادة الوطنية، حين تُدار بذكاء، تتحول من طاقة رمزية إلى قوة استراتيجية تُعيد رسم حدود الممكن، كل مشروع وصاية، مهما بلغت أدواته، ينهار عندما يصطدم بقيادة تعرف أين تنتهي الشراكة وأين يبدأ القرار السيادي، وبشعب يدرك أن مستقبله لا يُستورد جاهزاً، عند هذه النقطة تحديداً لا يكون السودان مجرد طرف في معادلة دولية مضطربة، بل فاعلاً يعيد تعريف قواعد اللعبة ويمضي بثقة نحو مستقبل يُدار بإرادته لا بالنيابة عنه.
أخيراً: السودان الغني بتاريخه وتجاربه قادر على كتابة فصل جديد في سجلات الوعي الوطني، إن أدركت قيادته أن الشرعية الحقيقية تأتي من إرادة الشعب، والقوة المستديمة تنبع من الوحدة الوطنية، والاحترام الدولي يُكتسب بالموقف المتوازن لا بالتبعية ولا بالعزلة.



