Uncategorized
من أعلى المنصة ياسر الفادني السَّمِح سَمِح ولو قام من النوم… والشِّين شِين ولو مَسَّحُوهُ كل يوم !

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
السَّمِح سَمِح ولو قام من النوم… والشِّين شِين ولو مَسَّحُوهُ كل يوم !
هكذا ببساطة قالها المثل السوداني القديم، وهكذا أيضاً قالها الواقع السياسي في السودان بصوتٍ أعلى من كل البيانات والتصريحات والقرارات القادمة من وراء البحار، فالشعب السوداني الذي خبر السياسة كما خبر القحط والمطر لم يعد يحتاج إلى كثير شرح ليفهم من يقف معه ومن يطعنه في ظهره، لقد انكشفت الوجوه، وسقطت الأقنعة، ولم يعد في المسرح السياسي مكانٌ لممثلٍ فاشلٍ يحاول أن يقنع الناس بأنه بطل
هذا الشعب عرف جيداً من الذي وقف مع قواته المسلحة حين اشتد الخطب، ومن الذي جعل الوطن متراساً للكرامة لا سوقاً للمساومات، وعرف أيضاً من الذي مد يده إلى خزائن البلاد، ومن الذي جعل المواطنين يخرجون من بيوتهم قسراً ليبحثوا عن خيمة في مخيم نزوح، أو زاوية ضيقة في مدينة آمنة، عرف من الذي يبدل مواقفه كما تبدل الحرباء لونها، ويعرض وطنه في سوق النخاسة السياسية كلما لاح له ثمنٌ جديد
اجلس مع أي مجلس في السودان اليوم، في مدينة أو قرية، في سوقٍ أو في ظل شجرة نيم، واذكر كلمة الجنجويد… ستجد الوجوه تتجهم، والقلوب تستحضر صور الألم، والذاكرة تعود إلى أيامٍ سوداء كأنها ليلٌ بلا قمر، ستسمع اللعنات تتطاير، وستجد الناس يجترون وجعهم كما يجتر الجمل شوك الصحراء، لأن الذاكرة الشعبية لا تنسى، ولأن الدم الذي سُفك لا يمكن أن يُغسل بالحبر الدبلوماسي ولا بالبيانات الباردة،
أمريكا تعرف كل ذلك… لكنها تتعامى. والعالم كله يعرف… لكنه يشيح بوجهه كأنما أصاب عينيه قذى الحقيقة، يعرفون من هو الإرهابي ومن هو الذي يقف مدافعاً عن وطنه، لكن السياسة عندهم ليست ميزان عدل، بل ميزان مصالح. لذلك ظلت واشنطن تمارس هوايتها القديمة: عقوبات هنا، وقرارات هناك، كأنها تعتقد أن العالم ما زال يعيش في زمن القطب الواحد
لكن الحقيقة أن ذلك الزمن قد انقضى، وذهب مع الريح. أمريكا التي كانت تخيف العالم بظلها الطويل أصبحت اليوم كمن يخط بإبرة على سطح الماء، لا أثر يبقى ولا خط يُرى، فرضت عقوبات على هذا وذاك، وأطلقت أوصاف الإرهاب على جماعات ودول، من الحوثيين إلى حزب الله إلى الحرس الثوري الإيراني، لكنها في النهاية لم تنقصهم قوة، بل زادتهم صلابة، وكأن قراراتها صارت وقوداً لاطفاء النار بل لإشعالها
والآن تأتي لتلوّح بالعصا مرة أخرى، وكأن السودان بلدٌ بلا ذاكرة أو كرامة، لكن السودان اليوم ليس هو السودان الذي كانوا يتعاملون معه كملفٍ صغير في درج الخارجية، السودان الآن بلدٌ اكتوى بنار التجربة، وتعلم أن السيادة لا تُستورد، وأن الكرامة لا تُستعار
أمريكا اليوم تشبه تماماً ذلك المثل السوداني الساخر: (نملة و شايلا ليها قملة)!!، تتحرك كثيراً لكنها لا تُقلق أحداً، ترفع صوتها لكن صداها يعود إليها ، لم تعد تلك القوة التي تخشاها الدول، بل صارت لاعباً يلوّح بالبطاقات القديمة في لعبةٍ تغيرت قواعدها،
لقد حاولت واشنطن من قبل أن تغيّر الحكم في السودان، وأن تدفع بقرود السياسة إلى كراسي السلطة، لكن تلك القرود حين وجدت نفسها في الحديقة لم تحرسها، بل تصارعت فيها، وأفسدت حقول الموز، وتركت البلاد في فوضى ثم هربت، تاركة وراءها الخراب والضحكات الساخرة
واليوم نراهم يرقصون كالمشاتر الثمل فرحاً بقرارٍ أمريكيٍ جديد، كأنهم وجدوا فيه خلاصهم الأخير، لكن الحقيقة أن من يرقص على أنغام الآخرين لا يملك موسيقاه !!، ومن ينتظر خلاصه من الخارج كمن ينتظر المطر من سراب
السودان اتخذ قراره، وكتبه بمداد التجربة والدم معاً: لن يحكم هذه البلاد إلا القوي الأمين، لا مكان بعد اليوم لظالمٍ ولا لخائنٍ ولا لتاجر قضية، هذه الأرض التي رويت بدماء أبنائها تعرف جيداً أن السَّمِح سَمِح ولو قام من النوم… والشين شين ولو مسحوه كل يوم
إني من منصتي أنظر ….حيث أري… الرسالة التي يرسلها السودان اليوم إلى واشنطن ليست رسالة دبلوماسية منمقة، بل كلمة صريحة بلهجتنا التي تفهمها الأرض قبل أن يفهمها الساسة:
(البِعِدَك حُمار… عِدو بَعَرُوا ) !!.


