Uncategorized
من أعلى المنصة ياسر الفادني بين القلب والمدينة… حكاية عشق لا تنتهي !

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
بين القلب والمدينة… حكاية عشق لا تنتهي !
في حضرةٍ لا تشبه سواها، حيث يتلاشى الكلام خجلًا ويقف الحرف على أطراف الروح مستأذنًا، يتجلّى المديح السوداني لا كعسل صوتي يُسمع، بل كعشقٍ يُعاش، هناك، حيث الحبيب صلي الله عليه سلم ، لا تكون الكلمات مجرد حروف، بل طوافًا من الشوق حول مقامٍ لا يُدركه إلا من احترق بناره، وسكنه الحنين حتى صار له وطنًا
أعذب ما قُدِّم، وأصدق ما أُنشِد، ذلك الذي خرج من قلبٍ ذاب عشقًا في سيّد الخلق أجمعين ، فصار صوته جسرًا بين الأرض والسماء
الشيخ الصابونابي، ذلك الراوي الذي لم يكن يحكي بلسانه فحسب، بل كان يسرد بقلبٍ مغموسٍ في المحبة، حملنا على أجنحةٍ من نور، ومضى بنا حيث المدينة ليست مكانًا، بل حالة من الصفاء، وموطنًا للروح حين تضيق بها الدنيا
وفي الضفة الأخرى من هذا العشق، يقف الصوت… صوت المادح الشيخ إسماعيل محمد علي، ومشاركة أداء لفرقة الحناجر الذهبية كأنما خُلق ليكون صدىً لذلك الحنين، أو لعله كان الحنين نفسه وقد تجسد نبرةً ولونًا صوت المنشدين هنا ليس غناءً، بل ارتجاف قلب، ليس لحنًا، بل بكاء شوقٍ متخفٍ في جمال النغم، حين يشدو، لا تسمع فقط، بل تُسحب سحبًا إلى هناك… إلى حيث يقف العاشقون على باب النبي الأعظم ، يطرقون بدموعهم لا بأيديهم
(بلح المدينة… منو البجيبك لينا)؟
، سؤالٌ موجوع، خرج من صدرٍ أضناه البعد، وتعب من الانتظار، سؤالٌ لا يبحث عن البلح، بل عن المدينة، عن تلك البقعة التي إن وطأتها القدم، سجد القلب قبل الجبين
(إفطاري بيك كل ما صباحو إجينا)!!… كأنما الصائم هنا ليس عن الطعام، بل عن اللقاء، عن النظرة، عن السلام الذي يسكبه الحبيب في أرواح زائريه.
الشيخ الصابونابي، ابن الأرض الطيبة جنوب سنجة، رجلٌ مزج العامية السودانية بعطر الروح، فجاءت مفرداته كأنها مسبحة من نور، كل كلمة فيها ذكر، وكل جملة صلاة، لم يكتب المديح، بل عاشه، ولم ينشده، بل تنفّسه حتى صار جزءًا منه
وفي هذا المشهد، لا نرى شاعرًا ومادحًا ومادحين … بل نرى قلوب التقت جميعها في حبٍ واحد، ذابت في بحرٍ واحد، وسار ت في دربٍ لا ينتهي إلا عند باب المصطفى صلي الله عليه وسلم أحدهما نسج الحرف من وجده، والآخرون سكبوه صوتًا من روحه، فكان اللقاء…
لحظة صفاءٍ نادرة، يتعانق فيها البيان مع النغم، ويتوحد فيها العشق حتى لا يُعرف من القائل ومن المُنشد، لأن كلهم صاروا شيئًا واحدًا: حبٌ خالص، لا يشوبه إلا الدمع، ولا يكتمل إلا بالصلاة على الحبيب
إني من منصتي استمع بحب… لأقول : هكذا حين يلتقي الصادقون، لا يكون اللقاء بين أشخاص، بل بين أنوار… نور الحرف، ونور الصوت، وكلاهما يسجد في حضرة النور الأعظم… صلوا عليه .


