Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني في اليوم العالمي للمسرح: من أعلن الحداد على الخشبة؟

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
في اليوم العالمي للمسرح: من أعلن الحداد على الخشبة؟
هنا في هذه البلاد كان المسرح يومًا مرآةً لا تكذب، ومنبرًا لا يهادن، ومدرسةً تُدرّس الأخلاق بلا مناهج ، لم يكن مجرد (عرض) يُصفَّق له، بل كان مشروع وعي… ولهذا قيل: أعطني مسرحًا أعطك أمة، لأن الأمم لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بالخيال الذي يُهذِّب الروح، وبالكلمة التي تُربّي الضمير، وبالخشبة التي تُعيد صياغة الإنسان
لكن، ماذا حدث؟
لماذا أصبحت المسارح في آخر قائمة الأولويات لدى الولاة؟ لماذا تُشيَّد الطرق وتُضاء الشوارع بينما تُترك الخشبات في ظلامٍ بارد؟ كأن المسرح ترفٌ زائد، لا ضرورة له في زمن الأزمات! وهذه هي المفارقة القاتلة: في الأزمات تحديدًا، تحتاج الشعوب إلى المسرح أكثر من أي وقت—لأنه يُحصّن الوعي، ويُرمّم الداخل، ويمنح الناس قدرةً على الفهم قبل الانفعال
كنا نسمع من قبل ، لا بل ننتظر، مواسم مسرحية كانت تُحرّك المدن، أسماء أعمال تتردد في المجالس، عروض تتكرر لأن الجمهور يطلب المزيد، ونصوص تعيش لأنها لامست الناس، كان حياةً تُعاد كل ليلة على الخشبة، اليوم، خفتت الأضواء، وتراجع الحضور، وانسحب الصوت… وكأن إرثًا كاملًا يُسحب من الذاكرة بصمت
الأسباب ليست غامضة، لكنها مؤلمة:
غياب الإرادة السياسية التي ترى في المسرح أداة بناء لا أداة ترف.
تهميش المبدعين، والنظر إليهم كأنهم في الهامش الثقافي، لا في قلب المعركة الفكرية.
انعدام البنية التحتية والدعم المؤسسي، حتى صار الفنان يقاتل وحده… بلا خشبة، بلا ميزانية، بلا جمهور مُحفَّز.
والأخطر من ذلك، هو الفهم القاصر: من يعتقد أن المسرح ضحكٌ وتهريج فقط، فقد قرأ نصف الحكاية، ومن يظن أن المسرحي مجرد ممثل على خشبة، فقد أخطأ العنوان بالكامل، المسرح ليس مكانًا… بل حالة. ليس عرضًا… بل وعي، هو برنامج حياة، يُدرّب الأجيال على التفكير، على النقد، على الانتماء
في هذا الزمن الذي تُخاض فيه معارك الكرامة على كل الجبهات، يمكن للمسرح أن يكون جبهةً لا تقل أهمية: جبهة الوعي، منصة تُعزّز القيم، تُحارب التشوهات، وتُعيد تعريف الوطن في عيون أبنائه، المسرح قادر أن يُنتج جيلاً لا يُصفّق فقط… بل يفهم لماذا يُصفّق،
لذلك، لا ينبغي أن يمر اليوم العالمي للمسرح مرور الكرام. لا يكفي أن نكتب منشورًا ونرفع شعارًا. المطلوب وقفة حقيقية: إعادة تأهيل المسارح،
إطلاق مواسم مسرحية منتظمة،
دعم النصوص الجادة،
واحترام الفنان بوصفه صانع وعي… لا (درجة ثالثة)!
إني من منصتي أنظر بحسرة علي الخشبة التي يئن جزعها من الإهمال…. وأقول : التحية لمسرحي بلادي… أولئك الذين ظلوا واقفين على الخشبة حتى حين سُحبت منهم الأرض
والأمل… وأن يخرج المسرح من قوالبه القديمة، ومن تكرار ذاته، إلى أفق جديد يليق بأمةٍ قيل عنها يومًا: أعطني مسرحًا… أعطِكَ أمة.


