Uncategorized
علاء الدين محمد أبكر يكتب: عذراً القرية ليست المدينة ولا المدينة تشبه القرية

علاء الدين محمد أبكر يكتب: عذراً القرية ليست المدينة ولا المدينة تشبه القرية
يعتقد البعض أن المدينة والقرية لا تختلفان في أسلوب التعامل بين الناس. ولا أقصد هنا الجانب المادي من الحياة، فربما في القرية من هم أوفر حالاً من كثير من أهل المدينة. لكن الاختلاف الحقي يكمن في النسيج الاجتماعي، وفي طريقة معرفة الناس ببعضهم وتفاعلهم اليومي.
القادم من القرية إلى المدينة يصطدم بواقع مختلف تماماً. في القرية سكانها محدودون، والجميع يعرف بعضه البعض. الوجوه مألوفة، والأخبار تتناقل بسرعة، والمصير مشترك. أما في المدينة، فتجد في بعض الأحياء أن الجيران يسكنون باباً بباب ولا يعرفون أسماء بعضهم. الحياة هناك سريعة، والعلاقات عابرة، والخصوصية خط أحمر.
لكن هذا لا ينطبق على كل المدن. فالأحياء الشعبية في المدن ما زالت تحتفظ بنمط قروي في التعامل. التداخل الاجتماعي فيها قوي، خاصة في المناسبات. عند الميلاد والختان والوفاة، ترى الناس يخرجون عن روتينهم المعتاد. أما مناسبة الوفاة فهي المدخل الأقوى بين الناس. من يسمع عويلاً وبكاءً يهرع رجالاً ونساءً لمواساة الأسرة المكلومة. يمتد التفاعل إلى جلب الطعام والشاي، وربما التكفل بمصاريف الفراش، وهي كلمة سودانية تعني بيت العزاء. وتطور هذا التكافل لاحقاً إلى إنشاء جمعيات تعاونية يساهم فيها المستطيعون لمواجهة حالات الطوارئ المجتمعية، في الكره والفرح كما يقول الوصف المحلي.
هنا لعبت الأحياء الشعبية دور المجتمع الوسيط. خلقت واقعاً قريباً من حياة القرية، حيث التكافل والتشارك جزء من اليوم. لكن هذا النمط لم ينتقل إلى الأحياء الأكثر عزلة اجتماعية. في تلك الأحياء تختلف الحياة تماماً. تقام المناسبات في الصالات المغلقة، سواء كانت أفراحاً أو عزاءً. ويحضرها فئات مجتمعية محددة، لا يريد أهل المناسبة أن تختلط بالعامة.
وهناك من يفضل هذا الأسلوب لأسباب تخصه. أهمها البحث عن أكبر قدر من الخصوصية. فمن عيوب الأحياء الشعبية أن أسرار البيوت لا تظل مستورة. الحي كله يعرف طبيعة عمل رب البيت، ومن تزوج او من لم يتزوج، ومن طُلقت من النساء وغالباً ما يكون التداول بحسن نية، لكنه يمثل للبعض انتهاكاً لخصوصيتهم. لذلك تجد الأسر الميسورة تسارع بالرحيل إلى أحياء أكثر هدوءاً، حيث يندر التداخل السكاني ويقل الفضول الاجتماعي.
مع تطور إيقاع الحياة وتعقيدها، صار من الصعب فرض نمط القرية على المدينة. روح التكافل في القرية جميلة، لكن البعض يراها مدخلاً لانتهاك خصوصيته. فلكل مكان طبيعته، ولكل نمط حياة ثمنه.
عذراً إذن، فالقرية ليست المدينة، ولا المدينة تشبه القرية. الأولى تمنحك القرب والدفء على حساب الخصوصية، والثانية تمنحك الخصوصية والحرية على حساب القرب. والإنسان بينهما يختار ما يناسب نفسه.
الحل ما في إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بل في أخذ الأفضل من كل نمط. من القرية نأخذ روح التكافل، وحضور الناس في الشدة والفرح، والشعور بأنك لست وحدك. ومن المدينة نأخذ احترام الخصوصية، وتنظيم العلاقات، وترك مساحة للفرد أن يعيش دون أن يكون مكشوفاً للجميع.
يمكن تحقيق ذلك عبر الأحياء المنظمة الصغيرة. أحياء يكون فيها الجيران على تواصل لكن بحدود، وتُنشأ فيها جمعيات تعاونية للطوارئ والمناسبات كما في الأحياء الشعبية، لكن بإدارة واضحة وطوعية لا تدخل في تفاصيل البيوت. كذلك يمكن للمؤسسات التعليمية والمساجد أن تكون حلقة وصل، تنظم أنشطة تجمع الناس دون أن تفرض تداخلاً مزعجاً.
بهذا الشكل نحتفظ بدفء العلاقة الإنسانية ونحمي حق الإنسان في مساحته الخاصة. فالإنسان لا يحتاج أن يكون معزولاً ليعيش بكرامة، ولا يحتاج أن يكون مكشوفاً ليشعر بالانتماء.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com


