Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني ست الريد.. المندلين الذي بكى !

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
ست الريد.. المندلين الذي بكى !
أغنية (ست الريد) واحدة من تلك الأعمال النادرة التي لا تمر على المستمع السوداني مرورًا فحسب ، بل تستقر في وجدانه كأنها جزء من ذاكرته الشخصية، منذ المطلع الأول، تشعر أن الشاعر مكاوي الشيخ الأمين لم يكتب كلمات، بل كتب نزيف روح:
زي ما الدنيا لي نسايه
ست الريد بقت قسايه
وزي ما الدنيا لي قسايه
ست الريد بقت نسايه
هذه الثنائية الموجعة بين النسيان والقساوة صنعت مدخلًا شعريًا شديد العمق، كأن الحبيب هنا لم يعد شخصًا فقط، بل أصبح مرآة للدنيا نفسها؛ حين تقسو الدنيا يقسو الحب، وحين تنسى الدنيا ينسى الحبيب
الجمال الحقيقي في النص أنه مكتوب بلغة سودانية بسيطة، لكنها محملة بدهشة شعرية عالية، لا توجد فيه الزخارف المتكلفة، بل صدق موجع يضرب المستمع مباشرة في قلبه كلمات مثل:
تركني يباب
جفوني أحباب
تحمل صورة صحراوية قاسية للخذلان؛ الإنسان هنا ليس مجرد حزين، بل أرض متروكة للجفاف.
أما الإيقاع الشعري، فهو من أجمل ما كُتب في الأغنية السودانية الحزينة ، هناك انسياب داخلي يجعل الكلمات تمشي كما لو أنها تنهيدة طويلة، كل مقطع ينتهي وكأنه يفتح بابًا للحزن الذي يليه، دون انقطاع أو تعثر، ولذلك يشعر المستمع أن الأغنية ليست مقاطع منفصلة، بل موجة واحدة من الوجع المتصل
ثم تأتي آلة المندلين… ذلك الكائن الحزين الذي لا يُعزف في السودان، بل (يبكي)
في (ست الريد) يبدو المندلين وكأنه الراوي الخفي للأغنية، قبل أن يغني عبد الوهاب الصادق، يكون المندلين قد مهّد للجرح، ورسم للمستمع ملامح الانكسار القادم، نغماته المرتعشة الحنونة تحمل ذلك الحزن السوداني القديم ، حزن المدن النائمة على ضفة النيل، وحزن العشاق الذين يخفون دموعهم خلف الغناء
اللحن هنا لم يكن مجرد مصاحبة للكلمات، بل كان شريكًا كاملًا في صناعة الألم، اللزمات الموسيقية الطويلة أعطت الأغنية مساحة للتأمل، كأن الموسيقى تقول للمستمع: لا تتعجل الحزن… عشه كاملًا
صوت عبد الوهاب الصادق، فهو من تلك الأصوات التي لا تغني بالحبال الصوتية فقط، بل بالحياة نفسها، يمتلك قدرة نادرة على تطويل الجملة الغنائية دون أن تفقد إحساسها، وهذا ما يمنح الأغنية ذلك النفس الطويل الذي يجعل المستمع غارقًا داخلها حتى النهاية،
في أدائه شيء من الأنين الجميل لا يصرخ، لا يستعرض، لا يتكلف… لكنه يجعلك تشعر أن كل كلمة خرجت من قلب مجروح بالفعل، خصوصًا حين يقول:
تراني عليل
سجين يا ليل
حزين بالحيل
وفاقد الحيل
هنا يتحول الصوت إلى حالة كاملة من الانكسار الإنساني، ويصبح الليل في الأغنية ليس زمنًا فقط، بل سجنًا عاطفيًا كبيرًا.
ولهذا تمثل “ست الريد” شيئًا خاصًا جدًا في قلب المستمع السوداني، فهي ليست أغنية عاطفية عادية، بل قطعة من الوجدان الشعبي السوداني؛ فيها الصبر، والكتمان، والحنين، والخذلان، والرضا الحزين بالقدر
إني من منصتي أنظر …. حيث أري….السوداني حين يسمع هذه الأغنية لا يستمع إلى قصة شخص آخر، بل غالبًا يرى نفسه فيها، يرى حبًا قديمًا، أو ذكرى بعيدة، أو ليلًا طويلًا مرّ عليه ذات وجع
ولذلك بقيت ست الريد حيّة رغم الزمن، لأنها لم تعتمد على ضجة، بل على الصدق… والصدق وحده هو الذي يملك القدرة على هزّ القلوب بعد عشرات السنين.



