Uncategorized

الحياة مسرح كبير بقلم/ علاء الدين محمد أبكر

الحياة مسرح كبير

بقلم/ علاء الدين محمد أبكر

إذا تأملت الحياة قليلاً أدركت أنها مسرح كبير، ونحن فيه ممثلون. لكل منا دور كتبه له القدر، ولكل منا خشبة يصعد عليها، وجمهور يشاهده، وستارة ترتفع باسمه ثم تنزل في موعد لا نختاره.

ومع ضجيج الأيام ننسى أننا في مسرح. نركض بين العمل والبيت والمواصلات والديون، ولا نقف لنسأل: ما هو دوري اليوم؟ ومن أكتب له سطوره؟

انظر إلى بداية العرض. يولد الطفل ضعيفاً لا يملك من أمره شيئاً، صوته هو كل ما يملك. ثم يكبر رويداً رويداً. يتعلم أول كلمة، وأول خطوة، وأول سقوط. يدخل المدرسة بحقيبة أكبر من ظهره، ويخرج منها بشهادة وبحلم. تأتي سنوات الجامعة بقلقها وأرقها، ثم يبدأ البحث عن وظيفة، عن باب رزق، عن مكان في الصف.

ثم يتغير المشهد. زواج، وبيت، ومسؤولية. يأتي الأبناء فيصبح الأب هو الممثل والأب والمخرج في آن واحد. يسهر، ويتعب، ويحلم لأولاده أكثر مما حلم لنفسه. تمضي السنوات، فيصل إلى التقاعد. يهدأ الإيقاع، ويصبح الوقت أوسع والصحة أضيق. ويكبر أكثر، فتصبح الشيخوخة هي المشهد الأخير قبل أن تسدل الستارة.

ولكن ليس كل الممثلين يسيرون على نفس النص. هناك من لا يوفق في الحياة، وتأخذه الدنيا إلى دروب أخرى لم يخطط لها. يفشل في دراسته، أو يتعثر في عمله، أو يضيع حلمه الأول. فيظن أن الستارة سقطت عليه مبكراً. لكنه يكتشف بعد حين أن المسرح واسع، وأن للمخرج مشاهد احتياطية. ربما ينجح في طريق لم يختره، ويبدع في مهنة لم يحلم بها، ويجد نفسه في مكان لم يكن يتوقعه. فالفشل في مشهد ليس نهاية العرض.

اسأل نفسك عزي القارئ: أين كنت قبل سنوات؟ هل ما زلت تسكن في البيت الذي ولدت فيه؟ هل ما زلت تعمل في المكان نفسه؟ كم صديقاً ربحت؟ وكم صديقاً خسرت؟ كم وجهاً أحببته غيبه الموت؟ كم دمعة مسحتها يدك، وكم دمعة مسحتها يد غيرك؟

الحياة تشبه الساعة. عقاربها لا تتوقف لحظة. تمضي بلا استئذان، لا تنتظر حزيناً ولا تسرع لفرحان. ولكنها تشبه التاريخ أيضاً، لأنها تعيد نفسها. يولد أطفال جدد، ويكبر شباب جدد، ويتزوج آخرون، ويرحل كبار. تتغير الوجوه وتبقى المشاهد.

في هذا المسرح الكبير لا أحد بطلاً دائماً. اليوم أنت في المقدمة تلقي خطابك، وغداً تجلس في الصف الأخير تصفق لغيرك. اليوم أنت من يحمل، وغداً من يحتاج من يحمله. اليوم تضحك في المشهد الخفيف، وغداً تبكي في المشهد الثقيل. ولهذا كان من الحكمة ألا نغتر بدور، وألا نحتقر دوراً.

ولأن العرض قصير، ولأن النص مكتوب سلفاً، فإن قيمة الإنسان في طريقة أدائه. هل أديت دورك بأمانة؟ هل قلت الكلمة الطيبة في وقتها؟ هل صافحت بحرارة؟ هل سامحت قبل أن يفوت الأوان؟ هل تركت خشبة المسرح أنظف مما وجدتها؟

التصفيق لا يدوم. والنقد لا يدوم. حتى الوجع لا يدوم. الذي يدوم هو الأثر. الأثر الذي تتركه في قلب زميل، في ابتسامة طفل، في يد عجوز ساعدتها على عبور الطريق. هذا هو الرصيد الحقيقي الذي نخرج به حين ينتهي العرض.

قد نغضب من بعض المشاهد، وقد نبكي في كواليسها. وقد نظن أحياناً أن المخرج ظلمنا. ولكن حين تهدأ وتتأمل من بعيد، ستفهم أن لكل مشهد حكمة، وأن لكل تأخير سبباً، وأن النهاية دائماً تليق بالبداية.

الحياة مسرح كبير. فاختر أن تكون ممثلاً صادقاً. اضحك بصدق، واعمل بضمير، وأحب بلا حساب. وأدِّ دورك كاملاً، حتى إذا ما جاء وقت الخروج، خرجت وأنت رافع رأسك، وانحنيت انحناءة أخيرة راضياً.

ثم تسدل الستارة. ويبدأ عرض جديد.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق