Uncategorized
إقامة مدينة طبية تحمل اسم الراحل عمر النمير.. أفضل ما نقدمه له وللوطن بقلم/ علاء الدين محمد ابكر
إقامة مدينة طبية تحمل اسم الراحل عمر النمير.. أفضل ما نقدمه له وللوطن
بقلم/ علاء الدين محمد ابكر
بقلوب مكلومة، وعيون دامعة، ودّع السودان أحد أبنائه البررة. ودّع المهندس عمر النمير.. فقيد الشباب، وفقيد الوطن، وفقيد المريخ. رحل مبكراً وهو في ريعان العطاء، إثر علة لم تمهله طويلاً، وهو يصارع المرض على أسرة العلاج في جمهورية مصر العربية.
رحيله لم يكن خبراً عابراً. كان صدمة، وكان جرحاً، وكان سؤالاً كبيراً يطرق أبوابنا جميعاً: لماذا يموت أبناؤنا في الخارج؟ ولماذا لا نعالج في الداخل؟
قصة عمر النمير ليست فردية. هي قصة آلاف السودانيين الذين يحملون حقائبهم ومدخراتهم ويهاجرون كل عام بحثاً عن “سرير” و”طبيب” و”جهاز”. نهدر المال، ونهدر الوقت، ونهدر الكرامة، بينما وطننا يمتلك العقول ويفتقد الإرادة. والحقيقة التي يجب أن نقولها بصوت عالٍ: نحن لا ينقصنا الأطباء. لدينا كوادر طبية سودانية يشار إليها بالبنان في أرقى مستشفيات العالم. اسم الطبيب السوداني “براند” في الخليج وأوروبا وأمريكا. المشكلة ليست في العقل السوداني. المشكلة أننا لم نوفر لهذا العقل البيئة، والأجهزة، والاحترام الذي يستحقه.
إذا كنا صادقين في حبنا لعمر النمير، وإذا أردنا أن نحول الحزن إلى فعل، فأفضل وفاء وأفضل صدقة جارية على روحه هو أن نطلق مبادرة قومية لإنشاء: “مدينة عمر النمير الطبية العالمية”. لتكن ضربة البداية. لتكن مشروعاً قومياً لا يموت بموت الأشخاص، بل يحيا بأرواح المرضى الذين سيُشفون فيها.
نتخيلها مدينة متكاملة تُشيّد على أحدث طراز عالمي، وتنافس كبرى المدن الطبية في المنطقة. مجمع مستشفيات تخصصية عملاقة في القلب والأورام والكلى والمخ والأعصاب وزراعة الأعضاء، مزودة بأحدث الأجهزة في العالم. ومطار طبي خاص لاستقبال حالات الإسعاف الطائر والمرضى من داخل السودان وخارجه حتى لا نضيع دقيقة في الطريق. ومركز أبحاث وتدريب طبي نعيد به السودان إلى خارطة البحث العلمي، وندرب فيه أطباءنا الجدد على أيدي الخبراء. وفنادق خمسة نجوم وحدائق غناء لاستقبال مرافقي المرضى من الخارج في إطار “السياحة العلاجية”، لأن المريض وأهله يحتاجون راحة نفسية. ومحطة كهرباء خاصة ومستقلة، فلا مجال لانقطاع التيار في غرفة عمليات أو عناية مكثفة. ومدينة سكنية متكاملة للأطباء والكوادر، شقق ومدارس ونوادي. نستجلب لها أفضل الأطباء السودانيين المهاجرين ونقول لهم “عدتم إلى بيتكم”، ونوفر لهم رواتب محترمة وبيئة عمل تليق بهم.
هذه المدينة ستكون مشروعاً اقتصادياً قومياً من الطراز الأول. يعالج المواطن البسيط عبر التأمين الصحي وبدعم الدولة، ولن يضطر بعد اليوم لبيع بيته للعلاج في مصر أو الهند. وفي الوقت نفسه نستقبل المرضى الميسورين من دول إفريقيا وآسيا وحتى أوروبا الشرقية بالدولار، ونقدم لهم خدمة أرخص وأقرب وأفضل. بدلاً من أن تُسافر أموالنا للخارج، سنجلب أموال الخارج إلينا. سنحول السودان من “دولة مصدرة للمرضى” إلى “دولة جاذبة للمرضى”. هذا هو الاستثمار الحقي. استثمار في الإنسان، واستثمار في العملة الصعبة، واستثمار في سمعة السودان.
ولكن المدينة حلم كبير، ويحتاج لخطوات عملية تبدأ اليوم. يجب أن يصدر قرار سيادي بمنع التعريب في كليات الطب والعودة للتدريس باللغة الإنجليزية حتى نتخرج أطباء قادرين على المنافسة عالمياً. ويجب إلغاء الرسوم الدراسية على طلاب الطب، فالطبيب مشروع قومي لا نبيعه بل نصنعه. كما يجب صرف “نصف راتب طبيب امتياز” لطلاب الطب أثناء دراستهم تقديراً لهم حتى لا يفكروا في الهجرة قبل التخرج. وهذا نداء لرجال الأعمال والمغتربين والدولة: ضعوا أيديكم مع بعض. هذا مشروع شراكة بين القطاع العام والخاص، واسمه “عمر النمير” وسيكون فخراً لكل من ساهم فيه.
يا أهل السودان.. العزاء كلام، والبوستات تذوب مع الزمن. ولكن الصرح يبقى. إذا أردنا أن نكرم عمر النمير حقاً، فلنبنِ له مدينة يشفي فيها المرضى، وتتوظف فيها الكفاءات، وترتفع فيها راية السودان. مدينة عمر النمير الطبية ستكون شاهداً على أننا أمة لا تستسلم للحزن، بل تحوله إلى بناء. وستكون رسالة لكل مريض سوداني: “علاجك في بلدك.. بين أهلك.. وباسم ابن بار من أبناء الوطن”.
رحم الله عمر النمير.. وشفى الله كل مريض.. وعافى الله هذا الوطن.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com


