Uncategorized

البرهان في نيويورك.. من قائد الجيش إلى رئيس الدولة: دلالات التحول في الخطاب والتوصيف* كتب. محمد دقلي

*البرهان في نيويورك.. من قائد الجيش إلى رئيس الدولة: دلالات التحول في الخطاب والتوصيف*
كتب. محمد دقلي
المقدمة
ما يحدث الآن في نيويورك ليس مجرد مشاركة بروتوكولية. الفريق أول ركن *عبد الفتاح البرهان* مدرج رسمياً ضمن قائمة رؤساء الدول والحكومات المتحدثين أمام الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وموعد كلمته *صباح الخميس 24 سبتمبر* وفق القائمة الأولية الصادرة عن الأمم المتحدة.

اللافت هذا العام ليس المشاركة نفسها – فقد شارك البرهان ثلاث مرات بعد 2021 – بل *التحول في التوصيف*: من “قائد الجيش السوداني” في الإعلام الدولي سابقاً، إلى *”رئيس مجلس السيادة الانتقالي”* في وثائق الأمم المتحدة الرسمية. هذا تغيير لغة ليس عابراً، بل هو اعتراف مؤسسي له تبعاته.
أولاً: على الصعيد الدبلوماسي والقانوني الدولي

1. *تثبيت الشرعية الدولية:* إدراج البرهان كرئيس لمجلس السيادة يعني أن المنظمة الدولية لا تزال تتعامل مع حكومة بورتسودان كـ *الممثل الشرعي للدولة السودانية*، رغم وجود حرب ومشاريع حكومات موازية. هذا يقطع الطريق أمام محاولات منح أي طرف آخر صفة تمثيلية في المحفل الأممي.

2. *اتفاقية المقر واختبارها:* الأنباء المتضاربة أمس واليوم حول تأخر أو حجب تأشيرة الدخول الأمريكية للبرهان، وتدخل الأمين العام أنطونيو غوتيريش مطالباً واشنطن بمنح التأشيرة وفق التزاماتها بموجب اتفاقية المقر لعام 1947، تكشف حجم المعركة الدبلوماسية الخلفية. ربط التأشيرة – حسب رويترز – بشرط الموافقة على وقف إطلاق نار 90 يوماً مقترح من المستشار الأمريكي مسعد بولس، إن صح، فهو تحول من التعامل السيادي إلى *سياسة الاشتراط*، وهذا سابقة خطيرة.
ثانياً: على الصعيد السياسي القريب والبعيد

*قريباً (داخل قاعة الجمعية العامة):*
نيويورك هذا الأسبوع تجمع كل خصوم المشهد السوداني تحت سقف واحد – البرهان، وحمدوك ممثلاً لتحالف صمود، ومناوي ممثلاً للقوة المشتركة، ووفد تأسيس بقيادة التعايشي. مجرد وجود البرهان بصفته رئيس دولة في هذا المشهد المتشظي يعطيه *أفضلية بروتوكولية* لا يملكها الآخرون. هو على المنصة الرسمية، والآخرون على هامش اللقاءات الجانبية.

*بعيداً (ما بعد الخطاب):*
هذا التوصيف يمهد لما بعد الحرب. المجتمع الدولي حين يخاطبك كرئيس مجلس سيادة، فهو يهيئك لمرحلة *التفاوض على إعادة الإعمار والديون والاعتراف بالحكومة الانتقالية القادمة*. التحول من توصيف عسكري إلى توصيف سياسي-سيادي هو انتقال من شرعية الأمر الواقع العسكري إلى شرعية الدولة.
ثالثاً: على المستوى المحلي ومجريات الأحداث

داخلياً، الرسالة واضحة لثلاث جهات:

1. *للجيش والقوى المتحالفة:* انتصار معنوي. قائدهم لم يعد قائداً ميدانياً فحسب، بل رئيس معترف به دولياً يخاطب العالم.
2. *للدعم السريع:* ضربة سياسية. كلما تكرس وصف البرهان كرئيس دولة، تآكلت رواية “طرفي صراع متساويين”.
3. *للمدنيين:* يضع الكرة في ملعب البرهان نفسه. إذا كنت رئيس دولة أمام الأمم المتحدة، فالمطلوب منك خطة دولة – وقف إطلاق نار، حماية مدنيين، رؤية سياسية – وليس فقط إدارة معركة. كلمته المتوقعة حول تطورات الحرب والأوضاع الإنسانية ورؤية الحكومة للحل ستكون هي الاختبار الحقيقي.
رابعاً: استمرارية النجاح واستثماره

هذا النجاح الدبلوماسي هش إذا لم يُستثمر بذكاء:

*في الداخل:* يجب تحويل الاعتراف الخارجي إلى *وحدة داخلية*. وجود مناوي ضمن وفد البرهان المتجه إلى نيويورك خطوة ذكية، لكنها تحتاج لتوسيع ليشمل قوى مدنية حقيقية غير محسوبة على طرف، حتى لا يبدو الوفد عسكرياً بامتياز.

*في الخارج:* لا ينبغي الاكتفاء بخطاب الجمعية العامة. المعركة الحقيقية في اللقاءات الثنائية مع وزراء الخارجية، ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر لبحث استمرارية العمل الإنساني، ومع الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية. المطلوب انتزاع دعم لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وليس فقط تثبيت الشرعية.

*الخطر الأكبر:* أن تتحول قضية التأشيرة إلى ذريعة للغياب. غياب البرهان هذه المرة – كما حدث مع البشير في 2013 – سيُفسر كعزلة دولية، وسيستثمره الخصوم. حضوره، حتى لو متأخراً، هو بحد ذاته رسالة صمود.

الخلاصة

التغيير من “قائد الجيش” إلى “رئيس مجلس السيادة الانتقالي” في أوراق الأمم المتحدة ليس تجميلاً لغوياً. هو *ترقية سياسية* انتزعتها بورتسودان بعد عامين من الحرب. لكن الترقية ترفع سقف التوقعات. العالم سيستمع للبرهان كرئيس، وسيحاسبه كرئيس.

النجاح الحقيقي ليس أن تتحدث من منبر الأمم المتحدة، بل أن تعود من نيويورك ومعك وقف إطلاق نار يحمي المدنيين، وممرات إنسانية تفتح، وخارطة طريق سياسية مقنعة للسودانيين قبل المجتمع الدولي.

مقالات ذات صلة

إغلاق