Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني عصام الدين موسي …. غَيثُُ مَر من هُنا !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

عصام الدين موسي …. غَيثُُ مَر من هُنا !

بعض الخواتيم تكون آخر سطرٍ في صفحة، لكنها تفتح في ذاكرة الناس صفحاتٍ لا تُطوى ،اجتماع مناقشة مقترحات موازنة الزكاة للعام 2027م بمحليات ولاية الجزيرة، الذي ترأسه الأستاذ عصام الدين موسى دفع الله، لم يكن مجرد اجتماعٍ إداري فحسب يراجع أرقامًا وموجهاتٍ ويكتب توصيات، كان لمن يعرف الرجل آخر قطرةٍ من غيثٍ طال هطوله، وشهادة وفاءٍ في حضرة رجلٍ كان حضوره في زكاة الجزيرة أكبر من حدود المكتب، وأبعد من أرقام الموازنة، وأعمق من أن تختصره ورقةٌ رسمية

تعطرت قدماي بعددٍ من الزيارات والمناسبات حتى كدت لا أعرف عددها، وكنت في كل مرة أجد نفسي داخل منظومةٍ من الإنجاز، أخرج من مشروعٍ فأدخل في مشروع، وأبحث عن فاصلةٍ بين إنجازٍ وإنجاز فلا أجد، لأن الرجل جعل من العمل الزكوي حركةً لا تعرف السكون، ومسارًا لا يعرف التوقف

لم أكن أسمع عن إنجازاته من بعيد، بل كنت حاضرًا وشاهدًا في كثيرٍ منها، رأيت مشاريع تتحول من فكرةٍ على ورق إلى واقعٍ على الأرض ، رأيت يد الزكاة تمتد إلى حيث ينبغي أن تمتد، رأيت اهتمامًا بالإنسان قبل الورق، وبالمحتاج قبل الملف، وبالأثر قبل الصورة

الرجل لم يتعامل مع الزكاة باعتبارها أرقامًا تُحصَّل أو موازنةً تُجاز، أو تقاريرَ تُرفع، كان ينظر إليها باعتبارها أمانةً تمس حياة الناس مباشرة لذلك لم يكن غريبًا أن ينعكس خلقه على عمله، وأن ينعكس عمله على سلوكه، وأن يصبح الاثنان شيئًا واحدًا لا تستطيع أن تفصل فيه الإداري عن الإنسان

ظل محبًا لإخوانه، قريبًا من الناس، لا يتكلف المودة ولا يصطنعها ،وفي العطاء كان واضحًا لا يجامل، ولا يتردد حين يرى أن الأمر يستحق، لم يكن ممن يضعون ألف حاجزٍ بين المحتاج وحاجته

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن رجلٍ تولى أمرًا يتعلق بالفقراء والمحتاجين، أن الناس لم تعرف عنه قسوةً على محتاج، ولا رفع صوتٍ في وجه من جاء يطلب حقًا أو عونًا، وهذه وحدها خصلة تستحق أن تُكتب بماء الوفاء

المنصب قد يمنح صاحبه سلطة، لكن الأخلاق هي التي تحدد كيف يستخدمها، وعصام استخدمها ليترك أثرًا ، حين وقفت الحرب… لم يتوقف الرجال

جاءت معركة الكرامة، وكان للرجال فيها مواقفهم، وكان هو واحدًا ممن أدركوا أن المؤسسات لا تتوقف عند أبواب الحرب، وأن المواطن في زمن المحنة يحتاج إلى من يقف بجانبه أكثر من أي وقتٍ مضى، فكان العمل مستمرًا، واليد ممدودة، والمشروعات تمضي، والاحتياجات تجد من يسمعها

الرجال الصادقون يجب أن نعطيهم حقهم، لا لأنهم غادروا مواقعهم، ولا لأن صفحة التكليف قد أُغلقت، وإنما لأن الوفاء للذين خدموا الناس ليس مجاملة. إنه شهادةٌ يجب أن تُؤدَّى في حرم الوفاء

قد ينتهي التكليف. وقد يتغير المكتب. وقد يأتي بعده أمينٌ آخر. لكن بعض الرجال لا يغادرون المكان تمامًا. يتركون شيئًا منهم في المشاريع، وفي وجوه الذين أعانوهم، وفي ذاكرة زملائهم، وفي حكايات

كان أول غيثه مدرارًا، وكان آخره مدرارًا. وبين أوله وآخره لم تكن هناك صحراء من الفراغ، بل كانت مساحاتٍ واسعة من العمل والإنجاز ، غادر الموقع، لكنه لم يغادر الأثر.

الذين كانوا شهودًا على تلك، المسيرة ،لايملكون إلا أن يقولوا له اليوم: شكرًا بحجم ما أعطيت، وشكرًا بطعم الوفاء،وشكرًا يليق برجلٍ لم يجعل المنصب غاية، وإنما جعله طريقًا لخدمة الناس.

إني من منصتي أنظر …… حيث أرى….. أن الرجال الذين صدقوا مع الناس ومع أنفسهم، لا يحتاجون إلى من يصنع لهم مجدًا. يكفي أن يُرفع الستار قليلًا، فتظهر آثار أقدامهم على الطريق ، وهكذا كان عصام الدين موسى… غيثًا مرّ من هنا، فلم تجفّ الأرض بعده أبدًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق