Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني أحن لي….. رمية المردوم

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

أحن لي….. رمية المردوم !

رويحة الهاوي يا مجافي.. أغنية تسكن الذاكرة وهي تعتبر من تلك الأغنيات التي تجاوزت حدود الطرب لتصبح حالة وجدانية سودانية، تختلط فيها المحبة بالعتاب والحنين بالمكان والإنسان بالذاكرة

محمد حامد آدم لم يكتب كلمات عاطفية مجردة، بل رسم بالعبارة السودانية البسيطة عالماً كاملاً( حلاة نوارة في شروقي) و(بريد عينيك يشيلوني) و(قلبي يدودي ما يرجع) صور شعرية تبدو سهلة في مفرداتها، لكنها عميقة في إحساسها، الشاعر هنا لا يتحدث عن الحبيبة وحدها، بل يجعل الطبيعة والنوارة والشروق والنسمة شركاء في الحكاية

هنا يتسع الحنين ليصبح حنيناً إلى المكان والناس: (أحن لي رمية نص الليل.. أحن لي نمة نص الليل.. ولي دوباية نص الليل). وهنا تكمن عبقرية النص؛ فالمستمع لا يجد نفسه أمام قصة حب فقط، وإنما أمام ذاكرة سودانية كاملة: الليل، الأهل، المناسبات، النقارة، المردوم، والفرح الجماعي

عبد الرحمن عبد الله قد منح الكلمات جناحين باللحن والصوت، لم يكن اللحن زينة للكلمات، بل كان امتداداً طبيعياً لها، بينما جاء صوته هادئاً ودافئاً، يحمل العتاب دون صراخ والحنين دون مبالغة، ولذلك تشعر أن الأغنية خرجت من بيئتها لا من استوديو تسجيل.
واللافت أن رويحة الهاوي لا تستدعي الحبيبة فقط، وإنما تستدعي زمناً

المستمع السوداني قد يسمعها اليوم فيتذكر قرية أو أهلاً أو ليلة بعيدة أو صوتاً لم يعد موجوداً، إنها أغنية تجعل الذاكرة شريكاً في الاستماع
لهذا بقيت الأغنية حية؛ لأن كلمات محمد حامد آدم منحتها الشعر، ولحن وأداء عبد الرحمن عبد الله منحتها الروح، أما المستمع السوداني فمنحها شيئاً لا يمنح لكل الأغنيات: مكاناً دائماً في القلب.
(رويحة الهاوي يا مجافي) ليست أغنية عن الغياب فقط، بل عن ذلك الحنين الذي يجعل الإنسان كلما ابتعد عن زمنه القديم يبحث عن (رويحته) في أغنية

اني من منصتي استمع … حيث أقول: الأغنية السودانية العظيمة لا تنتهي عندما ينتهي التسجيل، وإنما تبدأ حياتها الحقيقية عندما تسكن الذاكرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق