Uncategorized

لقاء الإعيسر بوفد أعيان محلية بارا يحمل أكثر من رسالة بقلم: علاء الدين محمد أبكر

لقاء الإعيسر بوفد أعيان محلية بارا يحمل أكثر من رسالة

بقلم: علاء الدين محمد أبكر

ولأن الإعلام هو المرآة التي تعكس الأحداث، وهو الذاكرة التي لا تموت، وهو المنبر الذي يصرخ حين تصمت المنابر، كان حرص وفد قيادات وأعيان محلية بارا الكبرى على لقاء الرجل الإعلامي الأول على مستوى الدولة، معالي الأستاذ خالد الإعيسر وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، حرصاً واعياً ومقصوداً واختياراً في غاية الذكاء السياسي والاجتماعي.

لم يطرق الوفد باب وزارة البنى التحتية أولاً، ولا وزارة الشؤون الإنسانية، بل طرق باب الإعلام، لأن أهل بارا يدركون أن قضيتهم قبل أن تكون قضية ماء وكهرباء وطريق، هي قضية رواية يجب أن تُروى، ومظلمة يجب أن تُوثق، وصوت يجب أن يصل إلى العالم بعد أن حاولت المليشيا المتمردة أن تدفنهم في صمت الصحراء. لقد جاء الوفد برئاسة الناظر محمد أحمد تمساح، يحمل معه ليس مذكرة مطلبية فحسب، بل يحمل معه وجع منطقة بأكملها تضررت بشدة إبان احتلالها الغاشم بواسطة المليشيا المتمردة، ليضعها أمام الوزير حتى يوصل صوتهم إلى الداخل والخارج وحتى يعرف العالم ما تعرضوا له من انتهاك سافر لحقوقهم وتهجير قسري ونهب ممنهج ومحاولة لطمس هويتهم.

إن هذا اللقاء الذي انعقد بمكتب الوزير بالعاصمة، لم يكن لقاءً بروتوكولياً عابراً، بل كان لقاءً يحمل في طياته أكثر من رسالة يجب أن تُقرأ بعناية. فمحلية بارا الكبرى ليست محلية عادية، هي أكبر محليات شمال كردفان، وهي الرابط بين دارفور وكردفان والنيل الأبيض والخرطوم، وهي سلة الغذاء ومخزن الماشية ومعبر القوافل وحاضنة القرآن والخلاوي، وحين تسقط بارا في يد المليشيا فإنما يسقط شريان يغذي السودان كله. وما تعرضت له بارا لم يكن اشتباكاً عابراً، فالوفد تحدث بالأرقام التي تبكي، عن أكثر من 105 قرى هُجر سكانها بالكامل في شرق وغرب وشمال بارا، ونحو ثلاثة آلاف أسرة موثقة حتى الآن توزعت في معسكرات النزوح في القضارف وكسلا والشمالية ونهر النيل، تركت خلفها بيوتها ومتاجرها وسواقيها وأراضيها، وهذا ليس نزوحاً بل تهجير قسري مكتمل الأركان، وما وصفه الوفد بمحاولات إحداث تغيير ديمغرافي هو أخطر ما في الأمر وهو جريمة ضد الإنسانية يجب أن ينتبه لها العالم. وحين يؤكد الوزير الإعيسر أن ما لحق ببارا هو قضية وطنية وإنسانية تستوجب الإنصاف وجبر الضرر ورد الحقوق، فهو ينتشل القضية من خانة البلاغات المحلية إلى مصاف القضايا السيادية، وهذا هو أول طريق الإنصاف.

وفي كل حروب السودان كانت الإدارة الأهلية هي آخر ما يسقط، ففي بارا حين انسحبت المؤسسات الرسمية تحت ضغط الحرب بقي الناظر والعمدة والشيخ، هم من فتحوا الدفاتر وحصروا الأسر وحفظوا أسماء القرى ووثقوا من نهب ومن حرق ومن اغتصبت ماشيته، وإن إشادة الوزير بالدور الوطني للإدارة الأهلية ليست مجاملة بل هي اعتراف بدور بطولي، فالوفد الذي جاء إلى العاصمة لم يأتِ يطلب صدقة بل جاء يحمل أرشيفاً كاملاً لشعب كامل، حصراً دقيقاً بأسماء المتضررين وأماكن نزوحهم وما فقدوه، وهذا هو التوثيق الذي ستبنى عليه العدالة غداً، لقد قامت الإدارة الأهلية بدور وزارة التخطيط ووزارة الرعاية الاجتماعية ووزارة العدل في آن واحد.

وهنا تكمن عبقرية توصيف الوزير الإعيسر للعودة بأنها يجب أن تكون آمنة وطوعية وكريمة، وهي ثلاث كلمات تختصر فلسفة كاملة، فآمنة تعني تطهير الأرض من بقايا المليشيا والألغام والسلاح المنفلت حتى لا يعود المواطن ليُقتل في داره، وطوعية تعني أن لا يُدفع الناس دفعاً إلى قرى مدمرة تحت شعار ارجعوا بل يعودون بقناعتهم بعد أن يروا أن الدولة جادة، وكريمة وهي الأهم تعني أن العودة ليست خيمة وإغاثة بل هي مقومات حياة، وهذا ما طالبه الوفد بوعي شديد، فأهل بارا لا يريدون سلة غذاء فقط، بل يريدون منظومات طاقة شمسية لتشغيل آبارهم التي دمرت، وتأهيل المراكز الصحية التي نهبت أجهزتها، وصيانة المدارس التي أصبحت ثكنات، وتوفير وسائل حركة وفرص عمل مؤقتة حتى تدور عجلة الإنتاج، فهم لا يريدون أن يكونوا عالة بل يريدون سواقيهم لتعود خضراء.

أما أخطر جملة قالها الوزير في اللقاء فهي أن الأضرار لا ينبغي التعامل معها باعتبارها آثاراً عابرة وإنما حقوقاً لأسر ومجتمعات، وهذه نقلة نوعية في الخطاب الرسمي، فما حدث في بارا ليس أضراراً جانبية للحرب كما يحاول البعض التخفيف، بل هي جرائم نهب وسلب وتدمير وتهجير ممنهج، وحق المواطن في بيته وساقيته ودكانه لا يسقط بالحرب، لذلك كان تأكيد الوزير على حصر الأضرار وتوثيقها هو بداية الطريق لرد الحقوق وفقاً للقانون واسترداد الملكيات وجبر الضرر، وهذا التوثيق الذي بدأته الإدارة الأهلية يجب أن تتبناه الآن وزارة الثقافة والإعلام لتقديمه للرأي العام المحلي والدولي كدليل إدانة.

ولعل اختيار أهل بارا لوزارة الإعلام يكشف أنهم يدركون أن حرب السودان اليوم هي حرب روايات، فالمليشيا تملك غرفاً إعلامية تضلل العالم وتقول إنها تحارب من أجل الديمقراطية، بينما صوت القرى المنكوبة في أم قرفة وأم سيالة وأم كريدم وغرب بارا لا يصل، وإن لقاء الإعيسر وهو إعلامي معتق يعرف كيف تدار المعارك الإعلامية وكيف يخاطب العالم، هو إعلان بأن رواية بارا الحقيقية ستنطلق من الآن، وأن العالم يجب أن يعرف أن هناك 105 قرى أُفرغت من سكانها وأن هناك سوقاً عمره مائة عام نُهب وأن هناك تغييراً ديمغرافياً يُراد له أن يحدث في قلب السودان.

إننا على ثقة أن هذا اللقاء سيكون ما بعده مختلف، فالوزير الذي تعهد بالمساهمة في معالجة القضايا والدفع نحو حلول عاجلة يضع نفسه أمام مسؤولية تاريخية، فأهل بارا لا يطلبون وعوداً بل يطلبون فعلاً، أن يروا لجنة إعمار حقيقية، وأن يروا كاميرات الإعلام الرسمي تدخل قراهم وتوثق دمارهم، وأن يروا ملفهم حاضراً في أي مفاوضات قادمة عن العدالة وجبر الضرر.

تحية لوفد بارا الكبرى الذي قطع آلاف الكيلومترات ليحمل هم أهله إلى العاصمة، وتحية للوزير خالد الإعيسر الذي استمع بقلب رجل الدولة وعقل الإعلامي وضمير ابن البلد، لقد عادت بارا إلى قلب الخارطة وصوتها لن يخفت بعد اليوم حتى يعود آخر نازح منها إلى ساقيته آمناً مطمئناً كريماً في أرضه التي ورثها عن أجداده.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.

مقالات ذات صلة

إغلاق