Uncategorized
لسان حال وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة يقول: “هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ” بقلم: علاء الدين محمد أبكر*

لسان حال وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة يقول: “هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ”
بقلم: علاء الدين محمد أبكر*
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، ظلت مؤسسات الدولة السودانية في حالة اختبار وجودي غير مسبوق؛ اختبار للصمود والاستمرار والقدرة على أداء الواجب تحت القصف والنزوح والتشظي. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تأتي خطوة وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة بإصدار مجلدها التوثيقي “من حق الشعب أن يعلم” الذي يغطي الفترة من يناير 2025 إلى مايو 2026، لتكون أكثر من مجرد توثيق إداري، إنها إعلان وعي ومسؤولية أخلاقية ووطنية بامتياز.
إن انطلاق الوزارة من مسؤوليتها في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق الوقائع وإتاحة المعرفة للرأي العام، هو في حد ذاته تحول مفاهيمي عميق في طريقة تفكير مؤسساتنا. فالدولة التي تحترم شعبها لا تكتفي بأن تعمل، بل توثق ما تعمل وتضعه أمام الناس، ليقرأوا ويتأملوا وينقدوا. وهذا المجلد الذي جاء في 64 صفحة حافلة بالأرقام والصور والنصوص والوقائع الموثقة، لا يأتي بوصفه سجلاً لما أُنجز فحسب، وإنما باعتباره وثيقة تحفظ مرحلة استثنائية من تاريخ مؤسسات الدولة، وما رافقها من تحولات وتحديات، وما بذلته الوزارة وقطاعاتها ومؤسساتها التابعة من جهود للمحافظة على استمرار العمل واستعادة أدوارها.
لقد تتبع المجلد مسار الوزارة في قطاعاتها الأربعة، منذ مرحلة وجودها في بورتسودان، مروراً بجهود إعادة ترتيب مؤسساتها واستئناف نشاطها، وصولاً إلى عودتها إلى الخرطوم، بوصفها أول وزارة تعود إلى العاصمة عقب تحريرها. وهذه وحدها مفخرة تستحق التوقف عندها، فالعودة إلى الخرطوم لم تكن قراراً إدارياً، بل كانت رسالة سيادية بأن الدولة عادت وأن العاصمة تتعافى بمؤسساتها.
توقفت طويلاً عند كلمات قيادة الوزارة في مستهل هذا المجلد، لأنها اختزلت فلسفة المرحلة كلها. السيد الوزير الأستاذ خالد الإعيسر قال كلمة ستبقى للتاريخ: “الكلمة لا تقل خطراً عن الرصاصة، والإعلام لا يقل شأناً عن الميدان”. وهذه ليست جملة بلاغية، بل هي عقيدة عمل آمن بها الرجل ومضى بها. ففي الوقت الذي كان فيه البعض يظن أن المعركة تُحسم في الميدان وحده، أدرك الإعيسر أن معركة السودان الحقيقية هي معركة رواية ووعي، وأن الرصاصة قد تقتل فرداً، لكن الكلمة المضللة قد تقتل وطناً بأكمله. من هنا كان حضوره الكثيف في القنوات والصحف العالمية، حيث عقد 12 لقاءً نوعياً مع كبريات المنصات الإعلامية الدولية، ووجه 41 دعوة لوسائل إعلام أجنبية للمشاركة في الفعاليات والمؤتمرات التي عقدت في السودان، لكسر العزلة التي فُرضت على بلادنا وجعل العالم يرى السودان بعين الحقيقة لا بعين الشائعة.
ويأتي حديث وكيل الوزارة الأستاذ جراهام عبد القادر ليضع يده على الجرح العميق لهذه الحرب حين قال إن الحرب صوبت سهامها لتدمير الوجدان الوطني وتفتيت تلاحمه وتلويث قيم التضامن. وهذا تشخيص دقيق، فما تعرض له السودان لم يكن حرباً عسكرية فقط، بل كان مشروعاً ممنهجاً لضرب الهوية وتفكيك المجتمع وقيم التكافل التي بُني عليها. أما الأستاذة سمية الهادي وكيلة الوزارة، فقد أكدت أن “في 15 أبريل واجه السودان تحدياً استثنائياً لمؤسسات الدولة، وكان الإعلام في مقدمة القطاعات التي تصدت لهذا التحدي”. وهو تصدٍ نشهد به جميعاً.
أما ملحمة إعادة تأسيس الوزارة فهي قصة تُروى، قصة إرادة في وجه المستحيل. تولى الوزير خالد الإعيسر المنصب يوم 3 نوفمبر 2024، ولم ينتظر طويلاً، ففي يوم 18 نوفمبر، أي بعد خمسة عشر يوماً فقط، بدأ العمل الجاد بالاعتماد على العمل المؤسسي وحصر آثار الدمار وتقييم الأوضاع. لقد وجد وزارة كانت تضم قبل الحرب 780 موظفاً، فإذا بها 13 موظفاً فقط مع وكيلي الوزارة، يعملون في ظروف صعبة وموارد شحيحة، لكن بهمة عالية حولوا هذا العدد القليل إلى خلية نحل أنجزت ما عجزت عنه مؤسسات مكتملة العدد في أوقات السلم. فكانت رحلة التحرير المرحلي والتأهيل الممنهج التي انتهت بعودة الوزارة إلى الخرطوم.
وفي تفاصيل الحصاد ما يذهل، ففي الوقت الذي انشغل فيه البعض بالتنظير، كانت الوزارة تعمل على الأرض. في مجال رصد الانتهاكات وتقصي الحقائق، تم تسيير عشرات الرحلات للوقوف على جرائم المليشيا وتوثيقها، وتم تنظيم 53 زيارة لوفود صحفية للولايات والمؤسسات لمعاينة الأوضاع عن قرب. وفي مجال حرب المعلومات المضادة التي أصبحت أخطر من الحرب نفسها، أنشأت الوزارة وحدة خاصة تمكنت من إعداد 255 تقريراً متخصصاً، رصدت من خلالها 816 خبراً ومعلومة مضللة، وقامت بالرد عليها وتفنيدها عبر منصاتها الرسمية، لتمنع تضليل الرأي العام الداخلي والخارجي.
ولم تنغلق الوزارة على الداخل، بل انفتحت على الخارج بذكاء، فدخلت في مشاركات وشراكات وحضور إعلامي وسياحي فاعل مع دول شقيقة وصديقة مثل المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب وإريتريا والكويت، وعملت على استقطاب دعم منظمات دولية وإقليمية عريقة مثل الإيسيسكو واليونسكو لتصحيح رؤية الحرب وحماية الآثار والتراث السوداني من الاستهداف الممنهج. كما انكبت على تنظيم قطاع الإعلام بتشريعات جديدة وتسجيل المؤسسات ودعم الإعلام الحر المستقل، والاهتمام بالعاملين بالوزارة الذين كانوا وقود هذه المرحلة، والعمل على دعم ملف العودة الطوعية الذي يمثل جوهر استعادة الحياة.
إن أهمية هذه الوثيقة، كما جاء في تقديمها، أنها لا تكتفي بتسجيل ما حدث، وإنما تحفظ تفاصيل مرحلة قد تتعرض وقائعها، بمرور الزمن، للنسيان أو التنازع في الروايات. ومن هنا، فإن التوثيق يصبح جزءاً من مسؤولية الدولة تجاه حاضرها وذاكرتها، وحقاً أصيلاً للمجتمع في أن يعرف كيف أدارت مؤسساته هذه المرحلة، وما الذي أُنجز، وما الذي تعثر، وما الذي لا يزال ينتظر استكماله. وهذا هو الفارق بين مؤسسة تُعلن ومؤسسة تترك أثراً يمكن التحقق منه وسجلاً يمكن الرجوع إليه.
إن ما قامت به وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة من طرح إنجازاتها عبر ملف PDF متاح للجميع هو قمة الشفافية والاحترافية، ودليل قاطع على أن الوزارة تعمل وفق برنامج دقيق وخطط طموحة ومدروسة، وليس وفق ردود الأفعال. وكما قلت سابقاً وأكرر الآن، إن السيد الوزير الأستاذ خالد الإعيسر لا يدير وزارة فحسب، بل يحمل مشروعاً وطنياً طموحاً لتطوير الإعلام السوداني وإحياء السياحة والآثار، مشروعاً يعيد للسودان وجهه المشرق وقوته الناعمة.
وختاماً، أقولها للتاريخ وبضمير صادق، إن السودان محظوظ بوجود وزير بقامة وهامة الأستاذ خالد الإعيسر في هذا المنعطف التاريخي الحساس، فهو بحق هبة السماء للبلاد، رجل جمع بين الفكر والعمل وبين الميدان والكلمة. فعضوا عليه بالنواجذ، ولا تفرطوا فيه، وأبقوا عليه عشرة، فأمثال هؤلاء الرجال هم من يصنعون الفارق في زمن عز فيه الرجال، وهم من يحفظون ذاكرة الوطن من الضياع ويضعون أساساً متيناً لمستقبل يستحقه هذا الشعب العظيم.
يقول الله تعالى:
*﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾*
صدق الله العظيم
[سورة الحاقة: 19-24]
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com




