Uncategorized
من ترميم المنزل إلى البحث عن شباب المحامين بقلم :امين محمد الجاك عامر -المحامي

من ترميم المنزل إلى البحث عن شباب المحامين
بقلم :امين محمد الجاك عامر -المحامي
حكاية العودة إلى مدني.. وفاء الجيران ومرارة الغياب عن المهنة
عندما عدت إلى مدينة ود مدني الحبيبة بعد طول غياب، نزلت في منزل الوالدة. وفي الصباح الباكر، وبعد أداء واجب العزاء في عدد من أفراد أسرتي الكبيرة والجيران الذين رحلوا خلال فترة غيابي، توجهت إلى منزلي الأخير، الذي اضطررت إلى مغادرته عندما تعرضت مدينة مدني للاقتحام والاحتلال، حفاظاً على النفس وصوناً للعرض.
وجدت المنزل شبه منهار، ويحتاج إلى أموال طائلة حتى يعود إلى الحالة التي كان عليها قبل مغادرتي. وبعد أن وقفت على حجم الأضرار، قررت صرف النظر عن إعادة إعماره في الوقت الراهن، والعودة إلى منزلي القديم الصغير، الملحق بمنزل الوالدة، داخل حوش منفصل.
ذلك المنزل ورثته، وعشت فيه سنوات زواجي الأولى وبدايات حياتي الأسرية. كنت قد تركته مغلقاً قبل سنوات، بكل ما فيه من أثاثات ومنقولات، دون أن أعلم أنني سأعود إليه يوماً بعد أن تعصف الحرب بكل تلك التفاصيل.
لقد كان لي جيران في منزلي القديم لم يغادروا المدينة، فكانوا نعم الجيران وأهل الوفاء. عندما اضطررت إلى مغادرة منزلي ذو ، بذلوا جهداً كبيراً في نقل أثاثاته ومنقولاته عبر الحائط، وحفظوها لديهم، حمايةً لها من الضياع والتلف. وقد تحملوا في سبيل ذلك الكثير من المشاق، فكانوا عند حسن الظن بهم، ولهم مني جزيل الشكر والعرفان.
وقديماً قيل: «الجار قبل الدار»، ولعل ما وجدته من هؤلاء الجيران يجسد المعنى الحقيقي لهذا المثل.
عندما وصلت إلى المنزل، بشروني بأن جميع محتوياته لا تزال محفوظة لديهم، وأنها في الحفظ والصون، وأنهم سيعيدون كل شيء إلى مكانه بمجرد أن أفرغ من صيانة المنزل. ولم ينسوا حتى التفاصيل الصغيرة، من الصحون والكبابي والملاعق إلى الستائر وغيرها من المنقولات.
بدأت صيانة المنزل، وكانت المرحلة الأولى مكلفة، إذ قمت بتوصيل الكهرباء والمياه، وشراء موتور للمياه، وطلاء الجدران، وإعادة توصيل شبكة الكهرباء وتركيب وحدات الإضاءة.
وبمجرد أن انتهيت من هذه المرحلة، أوفى الجيران بوعدهم، فأعادوا جميع المنقولات ووضعوها في أماكنها كما كانت، وأعادوا تركيب الستائر، حتى بدا المنزل وكأنه يسترد شيئاً فشيئاً ملامحه القديمة وروحه التي افتقدتها طوال سنوات الغياب.
لقد أعاد هؤلاء الجيران إليّ أكثر من أثاث ومنقولات؛ أعادوا إليّ شيئاً من الطمأنينة، وأكدوا لي أن الحرب، مهما قست، لا تستطيع أن تنتزع من الناس قيم الوفاء وحفظ الأمانة.
وبينما كنت أقيم في المنزل، شاهدت عبر موقع فيسبوك احتفال نقابة المحامين بتخريج دفعة جديدة من المحامين. وقد شعرت بالحسرة لأنني لم أتمكن من حضور هذه الفعالية التي كنت أتمنى أن أشارك فيها بعد عودتي إلى الوطن.
وفي اليوم التالي، قررت الذهاب إلى مكتبي لتفقده والوقوف على حالته بعد غيابي الطويل.
لكنني فوجئت بأن المكتب قد تعرض للنهب، وأن محتوياته من المراوح والأثاثات وأجهزة الكمبيوتر قد اختفت، وأصبح المكان خالياً تماماً إلا من الأوراق والملفات والمستندات المبعثرة على الأرض، وقد تعرض بعضها للحرق في مشهد مؤلم ينم عن غياب المسؤولية وعدم الاكتراث بقيمة هذه الوثائق وما قد تحمله من حقوق ومصالح للناس.
لم يكن المكتب بالنسبة إليّ مجرد مكان أزاول فيه عملي، بل كان حصيلة سنوات طويلة من الجهد والعطاء، وموضعاً ارتبط بذكرياتي وتجربتي في مهنة المحاماة.
ومع ذلك، قررت أن أبدأ من جديد، كما فعلت في المنزل. شرعت في صيانة المكتب، وطلاء الجدران، وتنظيف المكيف الذي بقي في مكانه، ثم بدأت في رفع الملفات وترتيبها وحصر الموجود والمفقود منها، وهي مهمة شاقة وعسيرة، خاصة في ظل الفوضى التي خلفها النهب والحرق.
استعنت في ذلك بعدد من المحامين الذين سبق لهم العمل معي، إلى جانب بعض الزملاء، واستلفنا كراسٍ للجلوس عليها، وبدأنا العمل في نفير مهني تحت شعار:
«إعادة المكتب إلى سيرته الأولى».
وكانت المفارقة أن أعمال الصيانة والترتيب كانت تجري في كثير من الأحيان تحت جنح الظلام، بسبب القطوعات اليومية للكهرباء وفق الجدولة المقررة، وفي ظل غياب تام للمياه في العمارة والسوق المحيط بها.
وقد انتشرت في السوق ظاهرة بيع المياه بواسطة صبية يقودون الحمير المحملة بالبراميل، لتوفير المياه اللازمة للشرب والاستخدام اليومي.
وهكذا، بينما كنا نحاول إعادة المكتب إلى الحياة، كانت الظروف المحيطة بنا تذكرنا كل يوم بحجم التحديات التي خلفتها الحرب، وبأن إعادة الحياة إلى طبيعتها تحتاج إلى صبر وجهد يتجاوزان مجرد إصلاح المباني والمكاتب.
بالأمس، وأثناء تفقدي المكاتب المجاورة لمكتبي، سألت عن عدد من الزملاء الشباب الذين كانوا يعملون فيها قبل الحرب، وكنت أتطلع إلى لقائهم والسلام عليهم واستعادة بعض الذكريات المهنية معهم.
لقد كانوا في السابق يقدمون لنا أعمالاً جليلة، ويساعدوننا في إنجاز العديد من المهام والواجبات، خاصة في أوقات ازدحام العمل. وكانوا قد تلقوا تدريباً جيداً، واكتسبوا خبرات عملية معتبرة، وكونوا لأنفسهم سمعة طيبة في أوساط المهنة.
وقد تراوحت سنوات عمل بعضهم بين سبع وعشر سنوات بل اكثر من ذلك وهي فترة ليست بالقصيرة في حياة المحامي، إذ تتيح له اكتساب الخبرة العملية، وبناء العلاقات المهنية، والتدرج نحو الاستقلال في ممارسة المهنة.
لكنني لم أتشرف بمقابلتهم.
وعندما سألت عنهم بعض الزملاء من كبار المحامين، أخبروني بمصائرهم، وكانت الإجابات تحمل كثيراً من الدلالات المؤلمة.
أحدهم، وبعد أن تزوج وعاد إلى العمل، لم يجد في الظروف القائمة ما يساعده على الاستمرار، فقرر الاتجاه إلى التنقيب عن الذهب بحثاً عن مصدر رزق أفضل.
أما زميل آخر، الذي اكتسب خبرة واسعة في قضايا الحركة، فقد ترك المحاماة وفتح محلاً لبيع قطع الغيار، بينما اتجه ثالث إلى العمل في مغلق والده، واختار رابع قيادة رقشة لتأمين لقمة العيش.
هؤلاء الشباب من خيرة شباب المحامين، يتمتعون بأخلاق رفيعة وسمعة طيبة، وقد كنت أتوقع لهم مستقبلاً باهراً في هذه المهنة، مهنة المتاعب.
لم يكونوا مجرد مساعدين يؤدون بعض الأعمال في المكاتب، بل كانوا محامين يتدرجون في اكتساب الخبرة، ويستعدون لبناء مستقبل مهني يعتمد على العلم والممارسة والالتزام بأخلاقيات المهنة.
لكن الحرب، وما صاحبها من خراب وتعطل للأعمال وضيق في سبل كسب العيش، دفعتهم إلى البحث عن بدائل تضمن لهم ولأسرهم حياة كريمة.
ولا أملك أن ألوم أحداً منهم على اختياره؛ فلكل إنسان مسؤولياته الأسرية والتزاماته المعيشية، ومن حقه أن يبحث عن العمل الذي يوفر له الاستقرار. غير أن المؤلم في الأمر أن نفقد، تحت ضغط الظروف، شباباً أنفقوا سنوات من أعمارهم في التعلم والتدريب واكتساب الخبرة، وكان يمكن أن يكون لهم شأن كبير في مستقبل المحاماة.
إن ما حدث لهؤلاء الشباب يفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول مستقبل مهنة المحاماة في ظل آثار الحرب.
فالمحامي الشاب الذي يغادر المهنة بعد سبع أو عشر سنوات من التدريب والممارسة لا يأخذ معه سنوات عمره وخبرته وحدهما، بل تفتقد المهنة جزءاً من رصيدها البشري، وتخسر المؤسسات القانونية فرصة الاستفادة من كفاءات كان يمكن أن تسهم في تطوير العمل المهني وتدريب الأجيال الجديدة.
وإذا كانت الحرب قد دمرت المكاتب ونهبت الأثاثات وأتلفت الملفات والمستندات، فإن آثارها الأكثر خطورة قد تتمثل في تفكك البيئة المهنية، وتراجع فرص التدريب، واضطرار أصحاب الخبرات إلى هجر المهنة بحثاً عن مصادر دخل أخرى.
وهنا يبرز دور نقابة المحامين وكبار الممارسين والمؤسسات العدلية في التفكير الجاد في كيفية دعم المحامين المتضررين، وإعادة تأهيل المكاتب، وتوفير فرص التدريب والعمل للشباب، والمساهمة في تهيئة الظروف التي تسمح لمن غادروا المهنة بالعودة إليها متى أرادوا وتمكنوا من ذلك.
فالمحاماة ليست مجرد وسيلة لكسب الرزق، وإنما هي رسالة تتصل بحماية الحقوق والدفاع عن المظلومين وصيانة سيادة القانون. واستعادة عافيتها لا تتحقق بإعادة فتح المكاتب وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى المحافظة على خبرات أبنائها، وتأمين مستقبل الأجيال الجديدة التي تحمل مسؤولية هذه الرسالة.
عندما عدت إلى مدني، وجدت منزلي الأخير شبه منهار، ومنزلي القديم ينتظر الصيانة، ومكتبي منهوباً، وأوراقي وملفاتي مبعثرة على الأرض. وفي المقابل، وجدت جيراناً حفظوا الأمانة، وزملاء مدوا أيديهم للمساعدة في إعادة المكتب إلى سيرته الأولى.
لكنني، وأنا أرتب الملفات وأتفقد المكاتب المجاورة، اكتشفت أن هناك شيئاً آخر يحتاج إلى إعادة بناء: حياة المحامين الشباب الذين فرقتهم الحرب، وأجبرتهم الظروف على ترك المهنة والبحث عن أبواب أخرى للرزق.
لقد بدأت بإصلاح منزلي، ثم شرعت في ترميم مكتبي، وسأواصل ما استطعت من أجل استعادة ما ضاع من ممتلكاتي وذكرياتي المهنية.
غير أن أملي الأكبر هو أن يأتي يوم تعود فيه الحياة إلى مكاتب المحامين في مدني، وأن أجد أولئك الشباب وقد عادوا إلى ممارسة مهنتهم، واستعادوا مواقعهم التي غادروها مضطرين، وأن تصبح سنوات الحرب القاسية مجرد ذكرى يتجاوزها الناس بالإرادة والعمل والتعاون.
فالمنازل يمكن ترميمها، والأثاثات يمكن تعويضها، والمكاتب يمكن إعادة تأهيلها، لكن الخبرات التي تتبدد والطاقات التي تضطر إلى هجر المهنة تحتاج إلى اهتمام حقيقي حتى لا نخسرها إلى الأبد.
إن إعادة المكتب إلى سيرته الأولى خطوة مهمة، لكن إعادة شباب المحامين إلى مهنتهم وحماية مستقبلهم تظل واحدة من أهم خطوات التعافي التي نحتاج إليها اليوم.




