Uncategorized
مدني الجمال.. حين تتجلى المروءة في زمن المحنة بقلم: امين محمد الجاك عامر – المحامي

مدني الجمال.. حين تتجلى المروءة في زمن المحنة
بقلم: امين محمد الجاك عامر – المحامي
مساء الخير من مدني الجمال..
اليوم وصلنا إلى البيت مع أذان صلاة المغرب، بعد يوم عمل طويل وشاق، بدأ مع عودة الكهرباء وفق الجدولة عند الساعة الواحدة ظهرًا، وانتهى وقد أنهكنا التعب، لكننا كنا نحمل في دواخلنا شعورًا عظيمًا بالرضا والأمل.
كان يومًا استثنائيًا في مكتبنا، فقد اجتمع حولي عدد من الزملاء والزميلات من المحامين والمحاميات، الذين جندوا أنفسهم بكل حماس وإخلاص لمساعدتي في إعادة ترتيب المكتب واستعادة شيء من عافيته بعد ما أصابه من خراب ودمار جراء الحرب.
وبعد الانتهاء من أعمال الصيانة وطلاء الجدران وبعض الكراسي بالبوهية، بدأنا مهمة شاقة أخرى، تمثلت في رفع الملفات وترتيبها، ومحاولة فرز الأوراق القديمة من الحديثة، بعد أن تعرضت بعض الملفات للتمزيق، واختلطت أوراق بعضها ببعض، في مشهد يعكس حجم الفوضى التي خلفتها الحرب.
إنها مهمة مضنية،قد تستغرق أيامًا، وربما شهورًا، حتى تعود الملفات إلى أوضاعها السابقة، وتستعيد سجلات المكتب ترتيبها الذي ظللنا نحافظ عليه لسنوات طويلة.
وبينما كنا منهمكين في هذا العمل الشاق، دخل علينا أحد الأصدقاء الأعزاء، وهو من عملاء المكتب الذين شردتهم الحرب وأفقدتهم الكثير من ممتلكاتهم واستقرارهم.
وما إن وجد المكتب مفتوحًا، ورآني وسط هذه المعمعة، حتى تهللت أساريره، وبدا الفرح واضحًا على وجهه. تبادلنا التحايا والسلام، وهنأني بالعودة، ثم أخذ يتفقد المكتب ويسأل عن أحواله وما ينقصه من احتياجات.
وحين شرحنا له بعض ما تعرضنا له من فقد وتلف، لم يتردد، بل بادر في الحال إلى تقديم مساهمة كريمة للمكتب، تمثلت في كرسي دوار جديد وفاخر، ومروحتين سقف، دعمًا منه لجهود إعادة الإعمار واستئناف العمل.
كانت لفتة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها، وموقفًا إنسانيًا نبيلًا فاجأني وأثر في نفسي كثيرًا، حتى اغرورقت عيناي بالدموع، ولم أجد ما أقوله في تلك اللحظة سوى أن أشكره من أعماق قلبي على حسن صنيعه وطيب أصله.
أما الزملاء والزميلات الذين كانوا يشاركونني العمل، فقد بدت عليهم الدهشة والإعجاب بهذه المروءة والكرم، خاصة في هذه الأيام الصعبة التي فقد فيها الناس الكثير، وأصبح كل فرد منهم في حاجة إلى من يمد له يد العون.
عندها قلت لهم: إنها مدني، وهذا واحد من أبنائها الكرام؛ مدينةٌ عُرفت بالمروءة والكرم والتكافل، وبنسيجها الاجتماعي المتماسك الذي لن تهزمه الحرب، ولن تنال منه المحن والابتلاءات.
إنها مدني التي نعرفها، مدينة الجمال والمحبة والتسامح، التي لا تزال تحتفظ بأصالتها رغم كل ما أصابها، ويظل أبناؤها أوفياء لقيمها وتقاليدها، يتسابقون إلى فعل الخير، ويقفون مع بعضهم بعضًا في أوقات الشدة قبل الرخاء.
ولعل أجمل ما في هذا الموقف أن اسم صديقنا الكريم يتكون من حروف اسم مدينتنا المضيئة، وكأن بينه وبينها عهدًا من المحبة والانتماء، تجسّد اليوم في هذا الموقف النبيل.
وقد قلت للزملاء إن هذا الرجل ليس استثناءً بين معارفنا وأصدقائنا، فهؤلاء هم الرجال الذين عرفناهم وعاشرناهم لسنوات طويلة، وجمعتنا بهم المواقف والذكريات، فعرفنا فيهم أصالة المعدن، وصدق المودة، وكرم النفس، وحب الخير للآخرين.
إنهم رجال ينفقون بأيمانهم، ولا تنتظر أيديهم اليسرى أن تعرف ما قدمته أيديهم اليمنى؛ يفعلون الخير في صمت، ويقدمون العون دون منٍّ أو انتظار لمقابل، لأن العطاء عندهم قيمة أصيلة، والمروءة سلوك متجذر في النفوس.
لقد كانت هذه اللفتة الكريمة أكبر من مجرد تقديم بعض احتياجات المكتب؛ فقد أعادت إلى نفسي شيئًا من الطمأنينة، ومنحتني دفعة قوية لمواصلة الطريق، وأكدت لي أن ما دمرته الحرب من مبانٍ وممتلكات يمكن إعادة بنائه، لكن ما يختزنه الناس من محبة ومروءة وتكافل هو الثروة الحقيقية التي لا تستطيع الحرب أن تنتزعها منهم.
الشكر كل الشكر لهذا الإنسان النبيل، الذي اختار أن يكون حضوره في يومنا هذا موقفًا يُذكر، ومساهمة ستظل محفورة في الذاكرة، والشكر موصول كذلك للإخوة والأخوات، زملاء المهنة، الذين وقفوا إلى جانبي وتراصت صفوفهم معي، وبذلوا جهدهم ووقتهم في هذه الظروف العصيبة، إيمانًا منهم بأن استعادة المكاتب وعودة المحامين إلى ممارسة أعمالهم جزء من استعادة الحياة في مدينتنا الحبيبة.
سنواصل العمل، وسنعيد ترتيب الملفات، ونرمم ما تهدم، ونستعيد ما استطعنا من ملامح حياتنا المهنية، مستندين إلى الله أولًا، ثم إلى سواعد الأوفياء وقلوب المحبين.
فالحرب مهما طالت، لن تستطيع أن تنتزع منا حب الحياة، ولا أن تطفئ جذوة الأمل في نفوسنا.
مساء الخير يا مدني.. يا مدينة الجمال والمروءة والوفاء، ما زلتِ بخير ما دام فيكِ رجال ونساء بهذه القلوب النبيلة.



