Uncategorized

سوق ود مدني العمومي.. القوانين موجودة، فأين التطبيق؟ بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي

سوق ود مدني العمومي.. القوانين موجودة، فأين التطبيق؟

بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي

وأنا أطالع الأخبار المنشورة على الوسائط، استوقفني خبر منسوب إلى والي ولاية الجزيرة، يفيد بأنه وجّه، خلال زيارته التفقدية لإدارة الأسواق، بوضع رؤية لتنظيم سوق ود مدني العمومي، تستوعب الأعداد الكبيرة من المتعاملين والأنشطة التجارية والخدمية، دون التأثير على انسياب الحركة المرورية، مع الالتزام بالاشتراطات البيئية والصحية.

كما شدّد، وفقاً للخبر، على حسن معاملة المواطنين، وتكثيف الجولات الميدانية، وإزالة المخلفات والتعديات، ومراجعة التراخيص، وتفعيل القوانين والاحتكام إليها، إلى جانب نشر التوعية والإرشاد.

وهنا انتهى الخبر، ولكن بالنسبة لنا، ممن عادت بهم الأيام إلى ود مدني بعد سنوات من الغياب والتشرد، فإن الأمر لا ينبغي أن ينتهي عند حدود التوجيهات، ولا أن يظل حبيس التقارير والاجتماعات، وإنما يجب أن يتحول إلى عمل ميداني ملموس يعيد لسوق مدني نظامه ونظافته وصورته التي تليق بتاريخ المدينة ومكانتها.
لقد أتيحت لنا، بحكم ظروف الغربة، فرصة مشاهدة الأسواق خارج البلاد، والوقوف على ما تتميز به من نظافة وتنظيم، وما يُعرض فيها من سلع، وما يُقدَّم من خدمات، وفق اشتراطات صحية وبيئية واضحة، وفي إطار من النظام والانضباط.

ولعل ما يستحق التأمل أن السودان لم يكن متأخراً في سن القوانين والتشريعات التي تنظم العمل في الأسواق، وتحكم ممارسة الأنشطة التجارية والخدمية،وتحدد اشتراطاتها، وتحمي العاملين والمستهلكين على حد سواء.

لكن المشكلة عندنا لم تكن دائماً في غياب القوانين، بقدر ما كانت في ضعف تطبيقها، والتهاون في إنفاذها، والتعامل معها وكأنها نصوص محفوظة على رفوف المكاتب، لا قواعد واجبة التنفيذ على الجميع.

وفي الوقت الذي اجتهدت فيه دول أخرى في تطبيق القوانين، وتطوير آليات الرقابة، وإلزام الجميع بالخضوع لأحكامها دون تمييز، اكتفينا نحن في كثير من الأحيان بسن التشريعات دون أن نمنحها ما تستحقه من اهتمام ومتابعة وإنفاذ.

ولذلك، فإن توجيهات والي ولاية الجزيرة، مهما كانت مشاغله ومسؤولياته المتعددة، تمثل فرصة ينبغي اغتنامها للانتقال من مرحلة وضع الرؤى إلى مرحلة التنفيذ، ومن تكرار الحديث عن التنظيم إلى إقامة نظام متكامل يفرض احترام القانون داخل السوق.

إننا نأمل من الجهات التنفيذية المعنية أن تنفض الغبار عن القوانين واللوائح ذات الصلة بالأسواق، وأن تبدأ في تطبيقها بصورة عملية ومنظمة، لا تستهدف التضييق على التجار أو أصحاب المهن، وإنما تهيئ لهم بيئة عمل مناسبة، وتحفظ للمواطن حقه في الحصول على السلع والخدمات في ظروف صحية وآمنة.

وفي هذا الإطار، نضع أمام الجهات المختصة جملة من المقترحات:
أولاً: تفعيل قوانين العمل.
ينبغي تنظيم أوضاع العاملين في السوق، والتأكد من استيفاء المتطلبات القانونية المتعلقة بالتسجيل والتصاريح والبطاقات المهنية، متى كانت مطلوبة بموجب القانون، بما يساعد على ضبط الأنشطة التجارية والخدمية، وحفظ حقوق العاملين، وتحديد المسؤوليات.
ثانياً: تطبيق الاشتراطات الصحية.
يجب تفعيل الرقابة الصحية على العاملين في الأنشطة التي تستلزم الفحص الطبي، والتأكد من استيفاء الشروط الصحية اللازمة لممارسة العمل، واستخراج البطاقات الصحية حيثما يوجب القانون ذلك، مع تكثيف التفتيش على محال إعداد الأغذية وبيعها، ومراقبة صلاحية السلع المعروضة للاستهلاك.
ثالثاً: منع البيع العشوائي في الشوارع والأرصفة.
لا يمكن الحديث عن سوق منظم بينما تظل الشوارع والطرقات والأرصفة مشغولة بالأنشطة التجارية التي تعوق حركة المواطنين والمركبات، وتؤثر على انسياب المرور، وتعرّض المشاة للخطر.
وعليه، ينبغي إلزام التجار وأصحاب الخدمات بممارسة أنشطتهم داخل المحال والأماكن المخصصة لها، وفق التراخيص والاشتراطات القانونية، مع توفير بدائل مناسبة للبائعين الذين لا يملكون مواقع ثابتة، حتى لا يتحول التنظيم إلى مجرد إزالة مؤقتة تعقبها عودة الفوضى من جديد.
رابعاً: الاهتمام بنظافة المحال والسلع المعروضة.
يجب إلزام أصحاب المحال التجارية والخدمية بالمحافظة على نظافة مواقع العمل بصورة يومية، والتخلص السليم من المخلفات، وعدم عرض السلع بطريقة تضر بالصحة العامة أو تشوه المظهر الحضاري للسوق.
كما ينبغي تفعيل الرقابة على صلاحية المنتجات، وتطبيق الاشتراطات المتعلقة بالتخزين والعرض والتداول، خاصة في الأنشطة المرتبطة بالأغذية والخضروات واللحوم والفواكه.
خامساً: إعادة تنظيم ملجة الخضار ومواقع بيع اللحوم والفواكه.
إن وجود ملجة الخضار ومواقع بيع اللحوم والفواكه داخل السوق العمومي، في ظل ما يشهده السوق من ازدحام وتداخل في الأنشطة، يستدعي مراجعة توزيع هذه الأنشطة بما يحقق السلامة الصحية، ويسهّل حركة المواطنين والمركبات.
ونقترح دراسة نقل هذه الأنشطة إلى مواقع أكثر ملاءمة خارج النطاق المزدحم للسوق العمومي، مع توزيعها على أسواق الأحياء، بعد تجهيز مواقع جديدة ومنظمة تتوافر فيها المياه والصرف الصحي والنظافة والخدمات اللازمة.
ففي أسواق الأحياء، متى أُحسن تخطيطها واستغلال مساحاتها، يمكن توفير أماكن مناسبة لبيع الخضروات واللحوم والفواكه، بما يقرّب الخدمات من المواطنين، ويخفف الضغط على السوق العمومي.

كما ينبغي تشجيع أصحاب رؤوس الأموال الراغبين في الاستثمار في هذا المجال على إنشاء مسالخ ومحال جزارة حديثة، وفق الاشتراطات الصحية والبيئية المعتمدة، وبما يضمن سلامة اللحوم وحسن تداولها.

أما المواقع التي ستُخلى من هذه الأنشطة، فيمكن دراسة الاستفادة منها في إقامة مشروعات خدمية وتجارية منظمة، بما في ذلك إنشاء مركز تجاري حديث إذا أثبتت الدراسات الفنية والاقتصادية جدواه، وبما يتناسب مع احتياجات المدينة.
ولعل أهم ما نحتاج إليه، إلى جانب تطبيق القوانين، هو إنشاء إدارة متكاملة لسوق ود مدني العمومي، تكون مسؤولة بصورة مباشرة عن تنظيمه ومتابعة الأنشطة التي تُمارس داخله.
ونقترح أن تضم هذه الإدارة مكاتب أو ممثلين مفوضين من الجهات ذات الصلة، بما فيها:
•مكتب العمل.
•إدارة الصحة والرقابة الصحية.
•الصحة المهنية.
•المواصفات والمقاييس.
•وزارة التجارة والجهات المعنية بتنظيم النشاط التجاري.
•إدارة التراخيص.
•إدارة النفايات والنظافة.
•الكهرباء والمياه.
•الجهات المختصة بالمرور.
•شرطة المباحث، في حدود اختصاصاتها القانونية.

إن وجود هذه الجهات في إطار إداري منسق داخل السوق من شأنه أن يختصر الإجراءات، ويسهّل على التجار والمواطنين الحصول على الخدمات، ويضمن سرعة معالجة المخالفات، بدلاً من اضطرار المواطن أو صاحب النشاط إلى التنقل بين مكاتب متباعدة، أو ضياع المسؤولية بين جهات متعددة.

على أن تكون لهذه الإدارة صلاحيات واضحة، واختصاصات محددة، وآليات للمتابعة والتقييم، وأن تعمل وفق خطة معلنة لتنظيم السوق، تتضمن جداول زمنية للتنفيذ، وبرامج دورية للتفتيش والنظافة، وآليات لتلقي شكاوى المواطنين والتجار ومعالجتها.

كما ينبغي أن تُمنح الجهات المختصة الإمكانات البشرية واللوجستية اللازمة لأداء مهامها، وأن تخضع أعمالها للمتابعة والمساءلة، حتى لا تتحول الإدارة الجديدة إلى مجرد مكتب إضافي لا يختلف عن غيره.

إن تنظيم سوق ود مدني العمومي ليس مسؤولية الوالي وحده، ولا إدارة الأسواق وحدها، وإنما هو عمل مؤسسي تتكامل فيه مسؤوليات الجهات التنفيذية،والتجار، وأصحاب المهن، والمواطنين.

كما أن التنظيم لا يعني التضييق على أصحاب الأنشطة الصغيرة، أو حرمانهم من مصادر رزقهم، وإنما يعني توفير مواقع مناسبة لهم، وإخضاع الجميع لقواعد واضحة وعادلة، تضمن سلامة النشاط التجاري، وتحفظ حقوق العاملين، وتحمي صحة المواطنين، وتصون حق الجميع في استخدام الطرق والأرصفة.

ومن المهم أن تبدأ عملية التنظيم بحصر الأنشطة والعاملين،وتحديد المواقع المناسبة، وتوعية أصحاب المصالح بالاشتراطات المطلوبة، ثم منحهم مهلاً معقولة لتوفيق أوضاعهم، قبل تطبيق الجزاءات القانونية على المخالفين، مع مراعاة الظروف الإنسانية والمعيشية دون الإخلال بالقانون.

إن سوق ود مدني العمومي يستحق أن يعود إلى سابق عهده، بل أن يصبح أفضل مما كان عليه، مستفيداً من تجارب الآخرين، ومن القوانين والتشريعات التي نملكها، ومن خبرات أبنائه الذين شاهدوا نماذج ناجحة في تنظيم الأسواق وإدارتها.

ولذلك، فإننا نأمل أن تجد توجيهات والي ولاية الجزيرة طريقها إلى التنفيذ، وأن نرى قريباً سوقاً نظيفاً ومنظماً، خالياً من التعديات والعشوائية، تتوافر فيه الاشتراطات الصحية والبيئية، وتنساب في طرقاته حركة المواطنين والمركبات، وتعمل فيه المؤسسات المختصة بروح الفريق الواحد.

فالقضية ليست في وضع رؤية جديدة لتنظيم السوق، وإنما في تفعيل القوانين القائمة، وتوفير الإدارة القادرة على إنفاذها. وحين يصبح القانون حاضراً في تفاصيل العمل اليومي، ويُطبَّق على الجميع دون استثناء، يمكننا أن نحلم بسوق نموذجي يليق بود مدني، وبأهلها، وبمكانتها بين مدن السودان.

مقالات ذات صلة

إغلاق