Uncategorized

علاء الدين محمد أبكر يكتب: مكانة رجال الطرق الصوفية في قلوب السودانيين.. والشيخ الأمين نموذجاً

علاء الدين محمد أبكر يكتب: مكانة رجال الطرق الصوفية في قلوب السودانيين.. والشيخ الأمين نموذجاً

للتصوف في السودان تاريخٌ ضاربٌ في القدم، لم يكن يوماً مجرد طقوسٍ تُؤدى، بل كان مدرسةً تربويةً وأخلاقيةً صنعت وجدان هذا الشعب. فمنذ دخل الإسلام هذه الأرض، وجد في الزوايا والخلاوي حضناً دافئاً، وفي شيوخ الطرق الصوفية آباءً روحيين جمعوا بين العلم والزهد وخدمة الناس.

ولذلك احتل رجال الطرق الصوفية مكانةً خاصةً في قلوب السودانيين. لم تكن مكانتهم مبنية على السلطة أو المال، بل على المحبة والثقة والبركة التي يرونها في سيرتهم. هم الذين يفزع إليهم الناس في الملمات، ويستفتونهم في معضلات الحياة، ويجدون عندهم الكلمة الطيبة والدعوة الصادقة. الشيخ عند السوداني ليس مجرد واعظ، بل هو “أبٌ” يسمع الشكوى، ويجبر الكسر، ويمسح على رأس اليتيم.

وإذا أردنا نموذجاً حياً لهذه المكانة، فشيخنا الشيخ الأمين يقف شاهداً على ذلك. رجلٌ جمع حوله المحبين والمريدين من كل حدبٍ وصوب، ليس لأنه ورث مشيخةً فحسب، بل لأنه استطاع أن يخاطب العقل والقلب معاً.

ما يميز الشيخ الأمين أنه يمتلك روحاً شبابيةً نادرة بين الشيوخ. ففهم لغة العصر، وخاطب الشباب بأسلوبهم، ودخل إليهم من باب المحبة والاحترام لا من باب التسلط والتوبيخ. لذلك استطاع أن يجذب إليه جيلاً كاملاً كاد أن يبتعد عن الطريق، وأعاد لهم الثقة في التصوف كمنهج تزكية وسلوك لا كمجرد موروث.

وفي أبان الحرب وما بعدها، تجلى هذا الدور الإنساني بأبهى صوره. كان مسيد الشيخ هو الملاذ الذي لجأ إليه الناس حين ضاقت بهم السبل. فتح أبوابه للنازحين والمحتاجين، ووفّر لهم الطعام فطوراً وغداءً وعشاءً، ولم يتوقف عند ذلك بل وفر العلاج والدواء لمن أنهكهم المرض والعوز. فكان المسيد ملجأً للبطون الجائعة والأجساد المريضة والقلوب الخائفة، شاهداً حياً على أن التصوف عندنا ليس ذكراً باللسان فقط، بل خدمةٌ للإنسان.

في الشيخ الأمين ترى الجمع بين الأصالة والمعاصرة. فيه هيبة الشيوخ ووقارهم، وفيه في الوقت ذاته انفتاح العصر ومرونته. لا ينفصل عن الواقع، ولا يقطع صلته بالتراث. يحدثك عن السيرة العطرة بلسانٍ معاصر يصل إلى قلب الشاب الجامعي كما يصل إلى قلب الرجل البسيط في القرية.

ولأن القامات الكبيرة لا تسلم من سهام الحاسدين، فقد حاول البعض التهجم عليه والطعن في طريقته. لكنه دائماً ما ينتصر عليهم بالخلق الحسن، والكلمة الطيبة، والصمت الذي أبلغ من ألف رد. فالأخلاق هي سلاح الصوفي الأول، وهي التي ترد كيد الكائدين وتزيد المحب محبة.

الشيخ الأمين ليس حالة فردية، بل هو امتدادٌ لسيرة عطرة من شيوخنا الأجلاء أصحاب الحكمة والبصيرة. هو حلقة في سلسلةٍ ذهبية بدأت بالشيخ ود بدر، والشيخ البرعي، والشيخ الكباشي، وغيرهم من الذين ملأوا السودان علماً ونوراً.

وفي النهاية، تبقى مكانة رجال الطرق الصوفية في السودان محفوظة ما حفظوا عهدهم مع الله ومع الناس. فالشيخ الحقي هو من إذا رأيته ذكرت الله، وإذا جالسته زادك علماً وأدباً، وإذا فارقته اشتاقت نفسك إلى مجالسه.

وهذا ما وجده الناس في الشيخ الأمين، فاستحق منهم الحب والتقدير، وسيظل كذلك ما دام على هذا النهج القويم.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق