Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني ولو تَعْرفني كم بَتْعَب … بَتْعَب بعيد عَنَّك واتألم !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

ولو تَعْرفني كم بَتْعَب … بَتْعَب بعيد عَنَّك واتألم !

حين يُذكر الجمال في الأغنية السودانيةيذكر اسم الشاعر فضل الله محمد، تتوقف عنده كما يتوقف العاشق عند نافذةٍ يعرف أن خلفها قلبه، هذا الشاعر لم يكن مجرد كاتب كلمات، بل كان ناسج إحساس، يكتب كما لو أنه يسكب روحه في الحروف، فتخرج القصيدة نابضة، دافئة، وقريبة حد الوجع. تميّز فضل الله محمد ببساطةٍ سلسة ،كلمات تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها طبقاتٍ من الشوق والتأمل والصدق، وكأنه يعرف كيف يجعل اليوميّ عميقًا، والعاديّ استثنائيًا

كان شاعر الحالة، لا يتكلف الصورة، بل يتركها تنمو طبيعيًا من وجدانٍ صادق، لذلك حين تقرأه أو تسمعه، لا تشعر أنه يخاطبك، بل كأنه يترجمك

وفي “الموعد”، التي تغنّى بها محمد الأمين، نحن أمام نصٍ يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة مكتظ بالانفعال الإنساني، القصيدة قائمة على فكرة الانتظار، انتظارٌ يشتبك فيه الزمن مع العاطفة. (أشوفك بكرة في الموعد)! جملة خبرية، لكنها محمّلة برجاءٍ خفي، وكأن بكرة هنا ليست مجرد زمن، بل حلمٌ مؤجل، وربما احتمالٌ غير مضمون ، الشاعر يلعب على هذا الخيط الرفيع بين اليقين والشك، بين الوعد والخذلان، فيصنع توترًا عاطفيًا يجعل النص حيًا

البلاغة في النص ليست متكلفة، بل منسابة. (أساهر والنجوم تشهد) صورة قديمة في ظاهرها، لكنها هنا تأتي صادقة، غير مصطنعة، لأن السياق العاطفي يمنحها حياة جديدة ،النجوم ليست مجرد شهود، بل شركاء في السهد، كأن الكون كله متورط في هذه الحالة، كذلك (مشاكل الدنيا تجبرني أخالف وعدي وأتلوّم) تكشف عن صراع داخلي عميق؛ بين الرغبة في الوفاء، وقسوة الواقع، هذه ليست مجرد جملة، بل اعتراف إنساني هش، يفتح النص على مساحة من الصدق المؤلم

ثم تأتي الذروة في مخاطبة الزمن: (ويا يوم بكرة ما تسرع)!، وهنا يبلغ الشاعر قمة المفارقة؛ هو ينتظر الغد، لكنه يخافه في الوقت ذاته، لأنه يعلم أن اللقاء قد يخفف نار الشوق، لكنه أيضًا قد ينهي لذة الانتظار، هذا الوعي العاطفي المركّب هو ما يمنح النص عمقه، ويجعله يتجاوز كونه أغنية حب إلى كونه تأملًا في طبيعة الشوق ذاته

أما لحن محمد الأمين، فهو ليس مجرد إطار للكلمات، بل شريك كامل في صناعة المعنى، ود الأمين لا يُلحّن فقط، بل يقرأ النص موسيقيًا، يفككه ويعيد تركيبه على نغم. في (الموعد)! ، يبدأ اللحن هادئًا، مترددًا، كأنه يخطو بحذر في مساحة الانتظار، ثم يتصاعد تدريجيًا مع تصاعد العاطفة، ليعكس حالة القلق والتوق، الجمل اللحنية طويلة، فيها امتداد، كأنها تحاكي امتداد الزمن في عيون المنتظر

صوته العجيب لا يؤدي الكلمات، بل يسكنها. في كل (أشوفك بكرة في الموعد ) ، هناك رعشة خفية، وفي كل مدٍّ صوتي إحساس بأن النفس نفسه مثقل بالشوق، هو لا يغني من الخارج، بل من الداخل، لذلك يصل الإحساس مباشرًا دون وسيط، صوته يحمل تلك النبرة التي تجمع بين القوة والهشاشة، بين السيطرة والانكسار، وهي معادلة نادرة تجعل الأداء صادقًا حد الألم

إني من منصتي استمع …حيث ينتابني احساس صادق… أن الثنائية بين فضل الله محمد ومحمد الأمين هنا ليست مجرد تعاون بين شاعر وفنان، بل هي حالة انسجام نادرة، كأن أحدهما يكمل ما بدأه الآخر، الشاعر يكتب الإحساس بالكلمات، والفنان يعيد كتابته بالصوت، لا تشعر أن هناك فصلًا بين النص واللحن، بل كأنهما وُلدا معًا، هذه العلاقة تشبه لقاء نهرين؛ كلٌ منهما يحمل مياهه، لكنهما حين يلتقيان، يصعب أن تميّز بين هذا وذاك.
في الموعد، لا نستمع إلى أغنية، بل نعيش حالة؛ حالة إنسانٍ عالق بين وعدٍ يحاول أن يصدقه، وواقعٍ يخذله، بين شوقٍ يشتعل، وزمنٍ لا يرحم. وهنا تكمن عظمة هذا العمل: أنه لا يقدّم الحب كحلمٍ جميل فقط، بل كاختبارٍ قاسٍ، وكحقيقةٍ مليئة بالأسئلة التي لا تجد إجابة.

مقالات ذات صلة

إغلاق