Uncategorized
وداعًا حياة الفهد.. سيدة الشاشة الخليجية بقلم: علاء الدين محمد أبكر

وداعًا حياة الفهد.. سيدة الشاشة الخليجية
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
لم يكن رحيل حياة الفهد فجر الثلاثاء 21 أبريل 2026 مجرد خبر وفاة فنانة وإنما هو إسدال الستار على فصل كامل من تاريخ الدراما الخليجية، فصل كتبته “أم سوزان” بلهجة أهلها، فصارت لغة العرب من المحيط إلى الخليج.
رحلت عن 78 عامًا بعد صراع مع المرض، لكن ما تركته أكبر من عمر.. تركت “جسرًا” عبرت عليه الدراما الكويتية من ضفاف الخليج الضيقة إلى فضاء المشاهد العربي الواسع، حتى صارت تنافس عراقة مصر وشام سوريا.
لم تأتِ حياة الفهد من أكاديميات الفن، بل من حياة الناس. بدأت مذيعة في إذاعة الكويت بين 1965 و1968، ثم انطلقت من المسرح في “الضحية” مع منصور المنصور وتأليف صقر الرشود. هناك تعلمت الدرس الأول: أن الفن الصادق لا يحتاج ترجمة.
في زمن كانت فيه الدراما المصرية تملك الشاشة، والسورية تملك اللغة الفصحى، اختارت حياة الفهد سلاحًا مختلفًا: اللهجة الكويتية البيضاء. لم تتخلَّ عن مفرداتها، بل جعلت المشاهد العربي يبحث عن معانيها ويحبها.
لم تكتفِ بالتمثيل. كتبت نصوصها بيدها. “الفرية”، “الداية”، “الخراز”، “سليمان الطيب”. نصوص حملت هموم المجتمع الخليجي بصدق، فوجد فيها المشاهد المصري والسوري واللبناني والسوداني مرآة لهمومه هو أيضًا. الفقر، قهر المرأة، صراع الأجيال، الحنين للماضي.. قضايا لا وطن لها.
ثنائيتها مع سعاد عبدالله في “رقية وسبيكة” 1986 لم تكن مجرد مسلسل كويتي. صار عملًا عربيًا بامتياز. “خالتي قماشة” 1983 تحولت شخصيتها إلى أيقونة شعبية تُضرب بها الأمثال في مقاهي القاهرة وبيوت دمشق وشوارع الخرطوم. هذه الأعمال كسرت احتكار “القاهرة ودمشق” للدراما.
بينما كانت بعض الدرامات تدور في فلك القصور، نزلت حياة الفهد إلى “الفريج” والحارة. ناقشت “جرح الزمن” و”أم البنات” و”أم هارون” قضايا مسكوت عنها. هذا الصدق الفني هو ما جذب المشاهد العربي الذي ملّ القصص المعلبة.
أسست “مؤسسة الفهد للإنتاج الفني” ولم تنتظر أحدًا. أنتجت، وكتبت، ومثّلت. واصلت الحضور في الأعمال الرمضانية حتى سنواتها الأخيرة. كانت تدرك أن المنافسة تحتاج نفسًا طويلًا، فقاتلت بالفن حتى أسابيعها الأخيرة
سر حياة الفهد أنها لم تحاول أن تكون “مصرية” لتنافس الدراما المصرية، ولا “شامية” لتزاحم السورية. قدّمت الكويت كما هي: بلهجتها، بعاداتها، ببيوتها الطينية، ببحرها، بدمعتها. فاكتشف المشاهد العربي أن الهم الخليجي هو همّه، وأن الأم الكويتية تشبه أمه.
بهذه المعادلة جعلت من “الخراز” و”الداية” أعمالًا تناقش في المنتديات من بغداد إلى الرباط. وجعلت من الدراما الكويتية رقمًا صعبًا في معادلة الإنتاج العربي، بعد أن كانت مجرد هامش.
برحيلها تُطوى صفحة مضيئة من تاريخ الفن الخليجي، لكن الدراما الكويتية التي وضعتها على الخارطة لن تعود إلى الظل. تركت جيلًا من الكُتّاب والممثلين تعلموا منها أن المحلية الصادقة هي بوابة العالمية.
رحلت “سيدة الشاشة الخليجية” بعد أن أدت رسالتها: أن الفن لا وطن له، وأن الشاشة الصغيرة قادرة على توحيد ما فرقته السياسة.
وداعًا يا من جعلتِ “الفريج” حيًا عربيًا كاملًا.. وداعًا يا حياة الفهد. الشاشة ستبقى، لأنكِ كنتِ حياتها.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com
رئيس الاتحاد العربي للإعلام الإلكتروني فرع السودان


